"اللاعنف" الهندي والفلسطيني"، بين الأسلوب والمفرزات

2019-01-14 09:20:32

علاء ريماوي/ رام الله،

تختلف الشخصيات القيادية والمؤثرة في العالم من مكان لآخر، ومن دولة لأخرى، وحتى في الموقع الجغرافي الواحد قد تتباين معتقدات وأفكار القياديين والمؤثرين في الرأي العام، ولعل الفلسطينيين أقرب الأمثلة لذلك؛ نظرا لسطوة الإحتلال الإسرائيلي الجغرافية والفكرية والإقتصادية عليهم منذ ما يقارب 70 عام والمشاكل والإنقسامات الفكرية والأيدولوجيا المسيطرة على أذهان الأحزاب بكوادرها التنظيمية والشعبية، فالإختلاف في نهج المقاومة ضد الإستعمار والإحتلال عبر التاريخ كان حاضراً؛ خاصة في الدول التي كانت تحت جشعه للموارد الثمينة وعنصريته للذات المسيطرة، نهج الثورة والمقاومة كان متغيراً نتيجة العامل الفكري والحغرافي والديني حتى، فنجد البعض قاد نضالاً مسلحاً، وآخر قاد ثورة سلمية، وآخر إنتهج خليط السلم والقوة في الوقت نفسه، ولكن النتيجة لم تكن متقاربة بين كل تلك النماذج إنما اختلفت المفرزات، والسياسات الموضوعة، والسيطرة الداخلية والإنتصار الناجم من حظى به؟ ومن أكمل المسيرة بعدها؟

 

السلام في وجه الطفيلي!

في هذا المقال لن نناقش كل تلك النماذج والأساليب التي انتهجت في مواجهة الإستعمار والإحتلالات التي حدثت على مر التاريخ، إنما هي نظرة لمكنونات نهج واحد بأبعاد مختلفة بين نموذجين متقاربين بعض الشيء، ولعل الحديث يدور حول النهج السلمي في مواجهة السياسات الإستعمارية المتطفلة، كالنهج الذي نادى به مهاتما المستضعفين "الروح العظيمة" والزعيم المؤثر في دولة الهند، و نهج المفاوض النهم "الدبلوماسي المحنك" الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولعل القاسم المشترك الذي سنذكره في بداية هذه المفارقة بين نهج مشترك بالهدف ولكن مختلف بالتطبيق هو الإستعمار البريطاني الذي سيطر على فلسطين  منذ عام 1917 حتى اعترف فيه كإنتداب في العام 1920م في المقابل كان قد جنى ثروات دول أخرى قبل تلك الفترة التي سيطر فيها على الهند منذ عام 1858 حتى 1947 هي المرحلة التي أشبعت بطن الجائع البريطاني الجشع؛ بما استنزفته من خيارات من تلك البلاد، ولا سيما أن بداية السيطرة كان استغلال الشركات التجارية البريطانية الكبرى الهند كبوابة للتجارة مع أوروبا، لتبدأ المطامع بعدها بخلق وجه استعماري يرغب بالمزيد من خيارتها ومواردها.

 

الساتياراها الهندية!

في ظل الإستعمار والقهر والظلم من الطبيعي أن يخرج من يندد بهذه التصرفات وهذا الظلم الذي يمارس ضد فرد أو شعب أو أمة، وفي الحالة الهندية وبعد طغيان الرأسمالية البريطانية من شركات تجارية ضخمة على الهند ومواردها البشرية والطبيعية، ظهر زعيم شعبي يناصر المظلومين والمنبوذين من الهنود والأقليات من الأديان والأعراق المختلفة، "الروح العظيمة" أو كما يقولون له المهاتما غاندي الذي درس القانون في بريطانيا ليعود لوطنه ويدعو للوقوف في غطرسة الإستعمار واستغلاله للأرض والفرد، ناصر الأقليات في الهند ودعا للسلام الروحاني بين الأديان وبين أبناء الوطن؛ للوقوف يداً واحده أمام الطفيلي الإنجليزي لبلاده، ونادى بالساتياراها في مواجهة المستعمر؛ والتي تعني "مقاومة سلمية" أو "فكر اللاعنف"، ولمن يقرأ في تاريخ موهانداس كرمشاند غاندي "المهاتما" يرى مدى الجهود التي بذلت لتمكين هذا النهج في نضاله مع الإستعمار وتأسيس قاعدة شعبية تدعم ذلك، فقضى خمسون عاماً ينادي لتبني هذا النهج بين أبناء بلده، وقد أخذنا في هذا المقال شخصية غاندي نموذج في المقارنة نظراً لكونه يناضل الإستعمار بالوعي؛ الوعي بالدين، والسياسة، وحتى الإقتصاد، والخيار الثاني الذي يطرح إن لم تجدي تلك الطريقة هو القوة، ولكن الأساس النضال الفكري بالوعي الكامل للشعب بأن يظهر ظلم الإستعمار وبشاعة الإستغلال الإنساني والإقتصادي، وأمضى ما يقارب العشرون عاماً في أن يدافع عن حقوق المضطهدين، وعدا عن ذلك  في مراحل نضاله ضد الإستعمار دخل في "إضراب عن الطعام" وعصيان مدني ضد  قانون خاص بالانتخابات يميز بين الطبقات ويسحق الهنود "المنبوذين"، ليحقق بذلك إنتصاراً للأقلية وإلغاء هذا القانون بموجب اتفاقيات وقعت بين الطرفين.

 

عملية السلام الفلسطينية!

الحالة الفلسطينية مختلفة بعض الشيء، ويعود ذلك للاستعمار البريطاني الذي قوبل بالفلسطينيين الذين قاوموه بشكل متفرق وغير منظم، لتأتي مفرزات الإستعمار بتأسيس "وطن قومي لليهود" على الأرض الفلسطينية لتحتدم المواجهة والصراع على الأرض، وتأتي المرحلة التي تليها بإفرازات حزبية ومجموعات "نضالية" عديد في الساحة الفلسطينية "لتقود" الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعد الخنوع العربي الذي لم يساند نداء التحرير والرفض كما يجب، أما المرحلة الحالية؛ هي المرحلة التي ترهقنا بالتجاذبات السياسية حيناً وبالعداء الأيديولوجي حيناً آخر.

الإختلاف العقائدي والفكري ترسخ على شكل حركات نضالية وأحزاب إسلامية وطنية، ومن هنا اختلف النهج في النضال ضد المحتل والتي بالغالب كانت مقاومة بالحجارة حافظ عليها الشباب الفلسطينيين منذ 1987، والنهج الأخير الذي نقارن به اليوم هو السلام "المقاومة السلمية" الذي بدأ بالظهور بشكل جلي فور قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994 ومن هنا بدأت المفرزات تختلف باختلاف هذه الأساليب في المواجهة مع المحتل، وبعد تولي الرئيس محمود عباس خلال الإنتخابات الأخيرة؛ تجلى نهج المفاوضات ليكون عباس هو "المفاوض النهم" الذي يقود هذه المرحلة؛ عازما على تحقيق "عملية السلام" وحل الدولتين وضمان "التعايش الفلسطيني الإسرائيلي" جنباً إلى جنب.

ولكن عدد المستوطنات في تزايد ولا يوجد حكم ذاتي على الأراضي التي قسمت ضمن الإتفاقيات التي برمت بين الطرفين، اتفاقية أوسلو لم تطبق بكل بنودها وما طبق ما يخدم الطرف "الإسرائيلي" فقط، ذلك المقعد في الأمم المتحدة كعضو مراقب لم نلحظ إنجازاً ملموساً، ولعل العملية الفدائية التي حدثت بالقرب من مستوطنة "عوفرا" المقامة على الأراضي الفلسطينية الواقعة شمال شرق رام الله  في التاسع من شهر كانون الأول للعام الماضي، التي تبعها اقتحامات متكررة "لجيش الإحتلال" لعدد من القرى والمدن وخاصة مدينة رام الله، ليخرج مجلس الوزراء ممثلاً بالدكتور رامي الحمد الله والرئيس محمود عباس  لينددوا بهذه الإقتحامات والإعتداءات بحق شعبنا الفلسطيني؛ وعزمهم على التوجه للأمم المتحدة و للدول الأجنبية والعربية التي لا تعطينا أي أهمية ولا تنظر  لمعاقبة "إسرائيل" قانونياً حتى، ولعل تصريحهم بأن هذه الإقتحامات قد تجاوزت الخطوط الحمر وستؤدي لحالة من التوتر لن يتوقعها الإحتلال؛ كانت الدليل على أن النهج السلمي الذي تتبعه السلطة هو نهج غير مجدي نظراً للتصريحات العديدة السابقة حول أحداث مشابهة "كلام في الهواء"، نحن نضع الوقائع ونناقشها، والوقائع تدل أن الأسلوب المتبع غير مجدي، الأمم المتحدة لا تملك قدرة على المحاسبة لمجرد وقوف أمريكا وغيرها لجانب الاحتلال؛ فالفيتو يلغي كل الجهود والمحاولات.

التعدي على الوكالات الإعلامية واقتحامها، ومحاولة اقتحام وزارة المالية، وغيرها من المحاولات الماضية الشبيهة هي نذير على أن السلام لا يمكن أن يجذر في أرض سلبت بالقتل والترهيب والظلم، لا سيادة، لا سلطة على التقيد بالإتفاقيات، نثمن الجهود التي بذلت لزيادة التضامن مع القضية بشكل دولي عالمي لكن نتحدث عن النتائج غير المرجوة والتي يجب أن تكون ضمن الطموح التي وضعت عند قيام السلطة، "إنصاف اللاجئين وحقهم في العودة، السيطرة على المياه والحفاظ على مصادرها، الحد من الإستيطان....إلخ".

 

ما بين اللاعنف والخنوع!

من هنا نجد الفرق واضح بين النهج الواحد ذو الأساليب المختلفة الذي مارسه كل من المهاتما غاندي، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ونعي بأن الأشخاص مختلفون بالمسميات ولكن وجه الشبه موجود لأن الجامع هو الشعب، ولعل الفئة الأكبر التي تنصاع للفكر المسالم من الشعب الفلسطيني يقودها الرئيس، فمثلاً كان من أهم الإجراءات التي اتخذها غاندي؛ مقاطعة البضائع البريطانية، تأسيس حزب ينادي بفكر اللاعنف والنضال بالوعي، ومظاهرات تظهر بشاعة المحتل والإضراب عن الطعام والكثير من الطرق لإرضاخ الإنكليز؛ بذلك كسب قاعدة شعبية كانت تسانده ظهرت قوتها عند اعتقاله من قبل الإنكليزي لتخرج المظاهرات والاشتباكات مع المستعمر دفاعاً عن المدافع الأول عن حقوقهم، في المقابل ماذا كانت مفرزات عملية السلام لدى الجانب الفلسطيني؟

قد تكون فلسفة "اللاعنف" مجدية لكن إن طبقت بالطريقة المثلى، ولعل الفكر والوعي الجماهيري هو الأهم في مثل هذه المواقف، الشعب هو الذي يحفر مسار الحرية ومسار التطور وانصاف الفرد والمجتمع، وما زلنا بحاجة لنهج موحد يؤدي لنتائج مرضية على الصعيد الشعبي والدولي، والفهم المعمق "للاعنف" على غرار الخنوع الحاضر إنما مجابهة بالوعي الذي من شأنه أن يرضخ إمبراطورية كاملة.

 

- صورة الإنترنت

اخترنا لكم
عماد ابو الفتوح عندما عرفت أن الرواية القا...
سلمى أمين هل تمنّيت يومًا أن تتحدّث أكثر م...
 هند الجندي ينظر معظم الناس للأذكياء...
لينا العطّار/  اخترنا لكم من اراجيك...
بقلم: تركي المالكي الحياة مليئة بالجمال وا...
اخترنا لكم هدى قضاض- اراجيك  يعد ا...
منوعات
غيداء حمودة/ رام الله، عزيزي القارئ، ابتسم...
نرمين حبوش/ مراسلة مجلة على صوتك في غزة، ح...
مراسلة مجلة علي صوتك جوليانا زنايد/ القدس،...
Khoulod youness/ Hebron,   ,My hea...
جوليانا زنايد/ القدس،   أمي .....
التجمعات السكنية الضيقة في قطاع غزة تجعل من و...