الوحدة الوطنية: غاية أمّ وسيلة؟!

2016-11-23 14:07:39

بهاء توام/ القدس

رافق تاريخ القضية الفلسطينية كمٌ من الشعارات بدلالات نوعية حيث عبر  كُل شعار عن ماهية المرحلة التي مرت بها القضية الفلسطينية معبرة عن الفكر السائد في كُل مرحلة من جهة، وعن المُمارسة التي استرشدت بالفكر السائد من جهة أخرى مع التأكيد على مسألة اتساع الفجوة من ضيقها بين الفكر والمُمارسة، وضرورة التمييز بين الخطابات وما كان قائم من مُمارسات فعلية. ففي مرحلة ما بعد النكبة حتى بداية الستينيات ظهر شعر "الوحدة طريق التحرير" والمقصود بالوحدة كان الوحدة العربية التي تمهد لتحرير فلسطين، وتلا ذلك شعاراً آخر وهو "التحرير طريق الوحدة" والمقصود هو أنّ تحرير فلسطين يُمهد الطريق للوحدة العربية.

من المُلاحظ أيضاً أنّه ومنذ العام 1948، أنّ الشعارات تضيق أكثر فأكثر مع مرور الزمن، فمن "الوحدة طريق التحرير" مروراً بــ "التحرير طر يق الوحدة" وصولاً إلى شعار "الوحدة الوطنية" وهو الشعار المطروح في هذه المرحلة وإن كان يخبو لبعض الوقت لكنه لا يلبث إلا وأن يعود كشعار يُعبر عن المرحلة التي تمُر بها القضية الفلسطينية. فحين كان شعار "الوحدة طريق التحرير" كان ذلك يُعبر عن الأيدولوجيا القومية العربية ودورها في توحيد الجماهير العربية لخوض النضال من أجل تحرير فلسطين، وتوحيد آمال وأهداف الجماهير العربية وغيرها الكثير من التعبيرات.  لاحقاً، أتى شعار "التحرير طريق الوحدة" ليُعبر عن الفلسطينيين والمقاومة الفلسطينية كطليعة للتحرير وتوحيد الأمة العربية، وساد هذا الشعار بعد حرب عام 1967 التي انتهت باحتلال الكيان الصهيوني لكامل أرض فلسطين وأجزاء من دول عربية أخرى.

أما شعار "الوحدة الوطنية" الذي تم تداوله في مرحلة ما بعد أوسلو، وبأكثر تحديد للفترة الزمنية، تلك الفترة التي انقسمت فيها السُلطة بين حركة فتح في الضفة وحركة حماس في غزة. ومن المُلاحظ هُنا ضيق الأفق الذي يُعبر عنه هذا الشعار –بالمقارنة مع الشعارات السابقة- ومن الواضح حجم الكارثة التي يُعبر عنها أيضاً، هذه "الكارثة الوطنية" التي تتمثل بالانقسام مع كُل ما يقوم به طرفي الانقسام من اعاقة لصياغة مشروع وطني يضم كافة الحركات والفصائل السياسية ويعبئ الجماهير، ويُناسب المرحلة الحالية بما تحمله من تحديات محلية وإقليمية ودولية.

على الرعم من ضيق الأفق الذي يحمله شعار "الوحدة الوطنية" في المرحلة الراهنة، إلا أن الفرصة مُتاحة لأن تقلب المُعادلة بأن يسير هذا الشعار نحو أفق أوسع بدلاً من التراجع الذي شهدته الشعارات التي مرت بها القضية الفلسطينية، لكن، ولتحقيق ذلك من الضرورة بمكان أنّ لا تقتصر فقط على طرفي الانقسام من جهة، وأن يتم التمييز  -من جهة أخرى- بين إذا ما كانت الوحدة الوطنية غاية أمّ وسيلة؟!

فإذا كانت الوحدة الوطنية مُجرد غاية/ هدف سيبقى الوضع على ما هو عليه من استئثار بالسُلطة وامتيازاتها بالنسبة لطرفي الانقسام، وركود لبعض الفصائل، وتخبط بالنسبة للبعض آخر. أبعد من ذلك، فإذا كانت الوحدة الوطنية غاية بحد ذاتها، فماذا يُتصور أن تكون الأدوات/ الوسائل التي من شأنها تحقيق تلك الغاية؟ إن الأدوات في هذه الحالة أشبه ما تكون  بالمساومات والصفقات السياسية التي لا تتخطى حدود السُلطوية، والامتيازات، والتعبير عن المصالح الحزبية الضيقة، ما يوحي بأن الوحدة الوطنية كغاية ستكون هشّة ومُهددة بالتفسُخ في أي لحظة، لأنّ الوحدة الوطنية كغاية تفرض سؤالاً آخر، وهو ماذا بعد؟

ماذا بعد، سؤال يجيب عنه مفهوم الوحدة الوطنية كأدة/ وسيلة، حيث يترتب على ذلك المفهوم –كأداة- أن يأخذ بعين الاعتبار أن المرحلة التي تمُر بها القضية الفلسطينية لا تزال مرحلة تحرر، ويترتب على ذلك أن تكون الخيارات/ البدائل المُتاحة أمام أي مشروع وطني مبنية على أساس الضرورة والكفاية، أي ما هو كافي لشعب لا يزال في مرحلة تحرر، وما هو ضروري لهذا الشعب لتحقيق استقلاله الوطني.  

يأتي التفريق/ المُقارنة بين مفهوم الوحدة الوطنية بوصفها غاية أم وسيلة لما تُمليه الضرورة، حيث أن الوحدة الوطنية كغاية –وهي الصيغة السائدة للمفهوم حالياً- تُستخدم من قبل طرفي الانقسام لايهام الشعب بأن الوحدة الوطنية تأتي فقط برغبة كُل من حركتي فتح وحماس، وتصور كُل حركة نفسها بالمُبادرة بينما تصف الأخرى بـالمُتعنتة في سباق على نزع "الشرعية" عن كُل حركة لحساب الأخرى، وفي سباق على تعزيز سُلطتيهما للحد الذي وصل للتعبير عن المرحلة التي وصلت لها القضية الفلسطينية بشعار "المصُالحة"، الذي يٌصور مسألة الانقسام وكأنها خلاف عائلي ينتظر كبير العائلة لحله، وهو الدور الذي تذرعت به بعض الدول التي لا يُهمَها مصير الشعب الفلسطيني بوصفه شعب في مرحلة تحرر، بل بوصفه ورقة ضغط سياسية يُمكن الاستفادة منها لصالح الدول المُتدخلة ليس أكثر.

يبقى من الضروري الإشارة إلى أنّ مفهوم الوحدة الوطنية كأداة/ وسيلة لا يجب التعامل معه بما فيه من تجريد (كمفهوم مُجرد)، إن الوحدة الوطنية كأداة/ وسيلة يجب أن يتم تجسيدها على أرض الواقع، في إطار يُمكن أن يحقق الغايات والأهداف الكافية والضرورية لشعب لا يزال في مرحلة تحرُر، ويجب أن يكون الشعب هو محور تجسيد الوحدة الوطنية بعد أن احتكرت الفصائل/ الحركات السياسية وافرازاتها العمل السياسي، وبعد أنّ احتكر طرفي الانقسام صُنع القرار بما يؤسس لوجود "نظام نخبة سياسية".

اخترنا لكم
عماد ابو الفتوح عندما عرفت أن الرواية القا...
سلمى أمين هل تمنّيت يومًا أن تتحدّث أكثر م...
 هند الجندي ينظر معظم الناس للأذكياء...
لينا العطّار/  اخترنا لكم من اراجيك...
بقلم: تركي المالكي الحياة مليئة بالجمال وا...
اخترنا لكم هدى قضاض- اراجيك  يعد ا...
منوعات
Khoulod youness/ Hebron,   ,My hea...
جوليانا زنايد/ القدس،   أمي .....
التجمعات السكنية الضيقة في قطاع غزة تجعل من و...
محمد الشعار/ مصر فرغ محمد فتوح من فرض الفج...
ناريمان شوخة/ رام الله انكفأت إلى الور...
ناريمان شوخة/ رام الله 22 نيسان مع عتمة ال...