صناعة الحياة من زنازين الموت... مجد الريماوي طفل قهر السجان

2020-03-14 20:12:54

رغد سمحان

مكث مع والده اثني عشر عاماً في زنزانته الواقعة في سجن بئر السبع، ثم قرر بعدها أن يودعه ويهرب من سجنه ليختبئ في رحم أمه السيدة ليديا الريماوي 42عاما، ويحيى كبقية الأطفال ويتنفس عبير الحرية من جديد.

حدث هذا في الثالث من تموز عام 2013 عندما أبصر الطفل مجد الريماوي النورعن طريق نطفة مهربة أعادت الأمل لقلب أمه، ورسمت البسمة على شفاه أخته رند الذي أعتقل والدها قبل أن تكمل عامها الأول.

واحد وستون طفلاً تم إنجابهم من خلال عمليات تهريب النطف حسب ما أفاد به مركز أسرى فلسطين للدراسات، وبين المركز أن الأسرى خصوصاً من ذوي المحكوميات العالية لجأوا إلى هذه الطريقة لتقدم عمرهم خلف قضبان سجون الأحتلال.

تسرد ليديا كيف بدأ الأمر بفكرة وانتهى بحقيقة إذا تقول: "لم يخطر في بالي يوما أن أنجب بهذه الطريقة إلى أن جاء يوم كنت ذاهبة فيه إلى العمل وأثناء شرودي في الطريق سمعت خبرا في الإذاعة يقول أن الأسير عمار الزبن قد رزق بمولود عن طريق النطف المهربة فبدأت فكرة الإنجاب بنفس الطريقة تتبلور في ذهني".

أخبرت ليديا عائلتها وعائلة زوجها بالفكرة، فأبدى الأهل دعمهم وتشجيعهم لها، وأضافت: "عندما زرت عبد الكريم وأخبرته بالفكرة دُهِشَ وسألني لماذا جئتي بهذه الفكرة، فأجبته بأنك عندما تخرج من الأسر نكون  قد قاربنا على سن الخمسين وسيصبح من الصعب الإنجاب".

أرادت ليديا أن تمنح زوجها عبد الكريم حياة وأمل جديدين، بعد أن حرمه الإحتلال من الحياة والحرية  وحكم عليه بالسجن خمسة وعشرين سنة بتهمة تنفيذ عملية قتل، وبالفعل حصل ما خططا له ففي الزيارة التالية تم تهريب النطفة داخل  كيس بلاستيكي في ظروف معينة لإبقائها سليمة، وتوجهت بها ليديا فورا لمركز رزان التخصصي وحدثت عملية التخصيب.

خمسة عشر يوما من القلق والتوتر عاشتها ليديا بانتظار خبر نجاح عملية التخصيب وتأكيد حملها، تصف تلك الأيام فتقول: "لطالما سمعت عن فشل عمليات الإخصاب وكنت شبه فاقدة للأمل، هواجس كثيرة دارت في عقلي وقلبي إلى أن تأكدت من نجاح العملية..نعم أنا الآن أحمل في أحشائي قطعة من زوجي هذه القطعة ستصبح طفل يحمل لقب سفير الحرية".

تقول الريماوي فكرت كثيرا بحجم المسؤولية التي ستقع على عاتقي قريبا فإنجاب طفل وتربيته في ظل غياب الزوج أمر صعب إلا أن وجود عائلتي بجانبي ودعمهم المستمر لي أشعرني بالراحة.

نظرا لطول رحلة المشقة التي يعانيها أهالي الأسرى أثناء زيارتهم وبسبب حملها لم تقوَ الريماوي على زيارة زوجها لتزف له بشرى حملها، إلا أنها كانت تخرج في المسيرات الداعمة للأسرى ليتمكن زوجها من رؤيتها والاطمئنان عليها، عبر التغطية الإعلامية التي يشاهدها الأسرى.

أضافت الريماوي: "استمريت كذلك طيلة فترة حملي إلى أن أتى اليوم الموعود يوم ولادة إبني مجد، وبينما كنت على سرير الولادة انتظر بشغف قدوم طفلي، تجمعت عائلتي في بهو المستشفى العربي التخصصي الذي كان يضج بعشرات الصحفيين الذين جاؤوا لتغطية هذا الحدث، كانت القلوب تخفق بشدة والشفاه تتهامس بالدعوات لي ولطفلي".

وتابعت:"بحمد الله كانت ولادتي مُيسرة من الله تعالى وقدوم مجد بمثابة عيد بالنسبة لي ولأهل بلدتي بيت ريما، فقد أخبرني والد زوجي أن مكبرات المسجد في البلدة كانت تصدح بخبر قدوم سفير الحرية مجد الريماوي، إلا أن فرحتي كانت منقوصة في ظل غياب زوجي عبد الكريم الذي تمنيت أن يشاركني الفرحة لكنه قدر الأسرى الفلسطينين".

ضجت الغرفة التي كان يزين وسطها صورة عبد الكريم تحملها ابنته رند بالزغاريد، بعد أن أتت إليها ليديا تحتضن بين يديها طفلها مجد، إلا ان عيونها خانتتها وبدأت في البكاء، رند الصغيرة التي كانت تنتظر قدوم أخيها مجد على أحر من الجمر قالت هي الأخرى بغصة والحزن في صوتها (يا ريت بابا كان معنا)".

أما عبد الكريم فتلقى خبر ولادة زوجته في الساعة الواحدة مساء، أي بعد خمس ساعات من عملية الإنجاب وذلك عن طريق الأسرى الذين عندما شاهدوا الخبر على التلفاز.. ابتهجوا وطرقوا على أبواب السجن مهللين بقدوم مجد، وطالبوا الموجودين في اقسام السجن أن يشاهدوا تلفزيون فلسطين الذي كان يبث الخبر، واتصل عليا أحد الأسرى واخبرنا بأن عبد الكريم كان يبكي من الفرحة، كمان أنه بقي يوزع الحلوى ثلاثة شهور من بعد ولادة مجد".

وكعادته يحاول الإحتلال بعنجهيته تنغيص فرحة الفلسطينين؛ فقد صادر فرحة الأسير عبد الكريم بالإنجاب من خلف القضبان بعد أسبوعين فقط من ولادة مجد، حيث قررت ليديا أن تحمل طفلها الرضيع وتتوجه لزيارة زوجها لتقر عينه برؤية ابنه وهنا حصل ما ليس بالحسبان، لقد رفضت إدارة السجن السماح للطفل أن يزور والده، تصف ليديا المشهد وهي تبتسم مفتخرة بما فعله ابنها الرضيع الذي لم يتجاوزعمره الشهر فتقول: "عندما أردت الدخول لغرفة الزيارة أوقفني الضابط الإسرائيلي وقال لي (من هذا) فقلت إنه ابني أنا وعبد الكريم فجن جنونه وبدأ يجعجع بأعلى صوته (شو بتقول مستحيل كيف عبد الكريم عندو بيبي أنا بعرف إنو بالسجن من 12 سنة!)، وتجمع حولنا كافة الضباط والجنود الذين لم يعترفوا بنسب مجد لأبيه وطلبوا أن أجري فحص DNA، لكنني رفضت خوفا من تلاعبهم بالنتائج".

بعيون حزينة منهكة عادت ليديا دون أن يرى عبد الكريم ابنه مجد، ليبدأ فصل جديد من المعاناة وهو محاولة استصدار قرار يسمح للطفل بزيارة والده، وبالفعل نجحت في ذلك بعد مرور سنة وثلاثة شهور من ولادة مجد، وتمكن والده من رؤيته وضمه إلى صدره موجهين بذلك رسالة تحدي للسجان، فعلى الرغم من كل العوائق والتحديات التي يضعها الإحتلال في وجه الأسير الفلسطيني، إلا أن قدوم طفل من خلف القضبان يزرع الأمل والتفاؤل في قلوب اطفأتها مرارة السجان.

- الصورة من الإنترنت

اخترنا لكم
عماد ابو الفتوح عندما عرفت أن الرواية القا...
سلمى أمين هل تمنّيت يومًا أن تتحدّث أكثر م...
 هند الجندي ينظر معظم الناس للأذكياء...
لينا العطّار/  اخترنا لكم من اراجيك...
بقلم: تركي المالكي الحياة مليئة بالجمال وا...
اخترنا لكم هدى قضاض- اراجيك  يعد ا...
منوعات
آية مطَور/ بيرزيت     &nb...
فرح البرغوثي/ رام الله بندم شديد يسيطر على...
نغم كراجة/غزة يعجبني نص محمود درويش"...
رفيف اسليم/غزة يقول دنزل واشنطن:"بدون...
محمود الترابين/ غزة. انتشرت عبر مواقع الت...
غيداء حمودة/ رام الله، عزيزي القارئ، ابتسم...