قصة نجاح هديل وهدان تمردت على الظلم الاجتماعي فتفوقت في حياتها

2020-01-22 10:59:29

نهاية أبوخاطر/ بيالارا

 

"احذروا امرأة لا تلقي قناني عطرها الفارغة

فمثلها لا تبور بأرضها ذكريات،

ولا تهرم ذاكرة".

تؤمن هديل وهدان؛ ابنة مدينة البيرة، بما تكتبه، وبقدراتها وتجلياتها. وتتحدى بها واقعا اجتماعيا كشوك الصبار، منذ أن استحقتطبقا من البقلاوةبعد أن نجحتبتفوق في الثانوية العامة.

ترفضإلقاء السمع للصرخاتالتي تدعوها للانحناء، وتتجاوز عن نقادها الاجتماعيين، لتسمح لرياح الحرية بدخول مجازات روحها، فتعزف سيمفونية التغيير؛ كي لا تترك الساحة للمزايدين الذين يصرون على أن يجلسوا في الصفوف الأمامية.أما هديل فتجلس عند المخرج لعلمها أن للوقت ثمنا، وأن الثقة بالنفس طريقهالإحراز الأهداف، ولتؤكد أن الحياة تدين لمن استطاع لعنادها سبيلا.

وتبدو على هديل ملامح الفخر وهي تسرد لنا حكايتها؛ حكاية التحدي والانتصار والإنجاز، في المقابلة التالية:

من هي هديل وهدان؟

حصلت على معدل 94% في الثانوية العامة "التوجيهي"، وكان معدلي يسمح لي بدراسة الهندسة في جامعة بيرزيت كما كان والداي يأملان. أما أنافلمتكن لدي رغبة بدراسة الهندسة، بل كان شغفي أن أسمع صوتي للآخرين، فتوجهت لدراسة القانون، لكن والدي رفضا بشدة؛ بحجة أنهما لا يرغبان في تغربي والغياب عن عيونهما.

وهنا أدركت أنني إذا لم يكن صوتي مسموعا سأظلأبحث عن مخرج في دائرة مغلقة. فكان أن اخترت تخصصالإعلام، الذي غذى رغبتي في الانطلاق، والتحرر من الروتين، وسير أولىخطواتي في عالم الحرية.

كيف أثرت دراستك للإعلام على حياتك؟

هذا التخصص صقل قدراتي، ومنحني الفرصة لأوصل صوتي للجميع. ويعود الفضلالخاص لأساتذتي في الجامعة، الذين دعموني وساندوني، ووضعوني على بدايةالطريق الذي يمكنني من متابعة مشواري، ومواجهة عائلتي المحافظة التي طالما قيدتني برؤيتها في بداياتي.

حدثينا عن علاقتك بأهلك في هذه المرحلة.

لست أنا الكبيرة؛ بكر العائلة، ولا الصغيرة المدللة. أنا الوسطى؛ لذا كنت أشعر دائما بأنني إذا "حكيت أو ما حكيت واحد بالبيت". ولأنني هادئة بطبعي، فإن تفوقي الدائم في دراستي، وكل إنجاز أحققه في حياتي، أمر طبيعي بالنسبة لعائلتي؛ لأنه على رأيهم: إنتي موفرلك كل شي! في حين أن كل من حولي كان قادرا على إسماع رأيه بصوت عال، وكافة مطالبه مستجابة. أما أنا فصوتي ضائع، ولا يصل إلى أحد.

وحتى عندما أنهيت الثانوية العامة بتفوق، كان والدي يرفض التحاقي بالجامعة لمجرد أني فتاة، وأن أي مكان آخر غير الجامعة يناسبني أكثر. وهنا أحسست بقوة تدفعني لرفع صوتي، وإسماعهم رأيي، حتى لو وصل الأمر إلى حرماني من حقي في إطلاق مسيرة حياتي التي أريد.

وبعد أن تغلبت على مبدأ الأهل في عدم التحاقي بالجامعة، بدأت مرحلة الضغط المادي علي لإجباري على التنازل: "لا نستطيع دفع أقساطك الجامعية". وهنا بدأت بالدراسة والعمل لجمع قسط الجامعة الأول،الذي لم يتجاوز حينها مبلغ 25 دينارا. وتابعت تحديالضغط المالي على هذا النحو.

ماذا كانت الجامعة تمثل لك حينها؟

كانت الجامعة هي المتنفس الذي يمكنني من التغلب على ضغوط العائلة والحياة. ولكنها أصبحت مع الأيام عشقي الدائم؛ فمنها خلقت إنسانة جديدة، بعد أن بلورت شخصيتي فلم أعد هديل المهادنة التي لا صوت لها. وبين أسوارها تعلمت أن أكون مستقلة ماديا،وخرج مفهومي للنجاح من القمقم الذي طالما كنت محبوسة فيه.

كيف تمكنت من صقل مواهبك التي كنت تعتبرين أنها كانت مدفونة؟

هنا بدأ مشواري مرحلة التطوع دون مقابل مع مؤسات إعلامية أجنبية، حيث عملت كـ"فيكسر"؛ وهو الشخص الذي يساعد المراسل الأجنبي. وفي مؤسسات محلية؛ كمركزالقدس للإعلام والاتصال JMCC تحت إدارة د.غسان الخطيب.

وكان الفضول هو سبب دخولي أرض التجربة، لعلي أصل، وأتعرف على الحدث من الداخل. وما دفعني لذلك هو إيماني الكبير بقضيتي، خاصة مع انطلاق انتفاضة الأقصى عام 2000، حيث أدركت أنني لا بد أن أستجمع كل طاقاتي وقدراتي، وتسخيرها لإيصال رسالة الصحفية الغيورة.

ولم تقفي عند حدود شهادة البكالوريوس في الاتصالات والإذاعة، ولكنك تابعت دراساتك، كيف سارت الأمور؟

أنا أغار من أي زميل يكتب أجمل مني، فكيف إذاكان من يكتبون آخرين، سواء أكانوا أجانب، أم إسرائيليين، وحتى عربا لم يعش أي منهم كل تشعبات حكايتي، ومع ذلك يروونها.

وذلك ما دفعني للبحث عن مزيد العلم، لدرجة أنني التحقت بدورات كثيرة لدراسة اللغة الإنجليزية؛ حتى أتمكن من فهم كل ما تتم كتابته عن القضية الوطنية، ولأملك المعرفة التي تتيح لي القدرة على النقاش، وإعطاء الصورة الكاملة عن شعبي ومآسيه تحت نير الاحتلال الذي نعيش.

ثم نلت درجة الماجستير في العلاقات الدولية والعلوم السياسية في نفس الجامعة عام 2003. ولكن غيرتي على مهنة الإعلام التي أعشقها، جعلتني أتقدم لأنال درجة ماجستير ثانية في إنتاج الأفلام والتلفزيون، برسالة تحمل عنوان "نظرية الثقافة والصناعة"، في جامعة ويستمنستر بالعاصمة الإنجليزية لندن، عام 2011.

ما هي أبرز محطات هديل وهدان في العمل الإعلامي؟ وكيف أثرت عليك؟

من أبرز مراحل تجربتي التي صقلت خبراتي، كان عملي في وكالة الأسوشييتدبرس الأمريكية؛ التي تعد من أهم وكالات الأنباء في العالم، قبل انتقالي بعد ثلاث سنوات إلى راديو مونتكارلو في لندن، بوظيفة المراسل الرئيس للبرنامج الإخباري الذي يغطي أساسا أخبار الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل حتى عام 2005.

كما عملت بين الأعوام 2003- 2007 كمراسلة لأخبار الضفة الغربية والقدس مع قناة العربية، وعملت مع "بي بي سي"  العربية، الشرق الأوسط، بين أعوام 2007 و2009، كمشرفة على التغطية الإعلامية للقصص السياسية الرئيسة في خمسة من مكاتب المحطة في المنطقة: فلسطين، وإسرائيل، والأردن، ومصر، ولبنان.

وإضافة إلى عملي الحالي كمحاضرة للإعلام في جامعة بيرزيت، أعمل في مجال إنتاج الأفلام مع شبكة بي بي سي الشرق الأوسط، كما أدير "شبكة جسور" التي تضم أكثر من 20 محطة إذاعية وتلفزيونية محلية.

أنت تعملين، منذ حصولك على شهادة الماجستير كمحاضرة غير متفرغة في كلية الإعلام بجامعة بيرزيت. ما الذي يدفعك إلى ذلك رغم حجم العمل الإعلامي الكبير الذي تمارسينه؟

لقد خلقت إنسانة تحب العطاء، وتبحث عن نقاط ضعفها لتسدها، لدي، ولدى غيري؛وأقصد هنا طلبتي،الذين أمنحهم تغذية تمكنهم من التعرف على حقوقهم، ليكونوا قادرين على تمريرها للذين يحتاجون إلى خوض هذه التجربة، مما يسهل عليهم أحيانا مسيرة حياتهم وتمدهم بالطاقة اللازمة للنجاح.

والنجاح الذي حققته في تجربتي العملية ينعكس على شكل تكرار لقائي مع طلبتي في الميدان؛ لتغطية الأحداث،ومشاركتهم النجاح،وتبادل الخبرات معهم، وبشكل يضمن استمتاعنا بالعطاء.

ما هي طبيعة العلاقة التي تربطك بطلبتك في الميدان؟ وكيف تقيمين تأثير تجربتك الشخصية كمرأة على طالباتك الإناث بالذات؟

وصلتني منهم شهادة أعتز بها،تقول: "نحن زملاء في تغطية الحدث في الشارع وفي كل مكان".

إنهم يملكون رؤية جميلة وجريئة وقوية، ولكن بيننا وبينهم فجوة كبيرة. وتقع مسؤولية ردمها على الطرفين للوصول إلى الفائدة؛ فعلى جيلنا أن يبحث عن تطوير الرؤى، وتقدير ما يصدر عن الجيل الصغير. وعلى الجيل الصاعد أن يحترم الوقت، ويطرح أفكاره وتجاربه بنقاط فاعلة، وليس على شكل سرد مفتوح، والاهتمام بالعمل التطوعي؛ كونه الطريق الصحيح للانطلاق في الحياة.

أما التعامل مع طالباتي، فتكمن قوتي فيأنني لا أستطيع أن أتعامل معهن كطالبات فحسب، بل كجزء مني؛كبناتي. ويبدو واضحا لي أنهن يملكن الجرأة والإقدام، والمغامرة والتحدي؛ ليحققنأهدافهن، أكثر من الذكور؛ فهن يتمتعن بحس مسؤولية عال، ومنفتحات على الخيارات المطروحة أمامهن باستمرار. لذلك يتمثل تقربي منهن بدمجهن وإرشادهن بالتجربة والأعمال التطوعية، والتركيز باستمرارعلى المواقف التي يتعرضن أثناء عملهن على أرض الواقع.

لماذا بيرزيت بالذات؟

يمكن نيل الشهادة في أي وقت. أما التجربة العملية فهي التي تجعل المرء مميزا ومختلفا وذا خبرة. والعمل في جامعة بيرزيتمسؤولية كبيرة، لأنني مسؤولة عن بلورة شخصية طلبةمتشوقين للمعرفة،ولكن ليس لديهم دليل صحيح، خاصةالفتياتاللواتي يشكلن غالبية الطلبة في دائرة الإعلام.

وانا أعتبر أن تجاربي في الحياة صفحات مفتوحة للدراسة، ودليل عملي يمكن من ممارسة الحق في النقض والرفض والمواجهة، والوصول في النهاية للهدف المنشود، وهو ما تتيحه لي تجربتي في جامعة بيرزيت أكثر من أي موقع آخر. ومنهنا دخلت عالم الإعلام الاجتماعي والرقمي؛ لأتمكن من التواصل مع طلابي، والإجابة على أسئلتهم.

وفي الختام هل من رسالة توجهينها للشباب؟

في الحياة كثير من المداخل لكل من يحتاج النجاح والوصول إلى الهدف. حدد هدفك،واختر هويتك، واعرف قدراتك؛ فأنت صاحب الرواية. واستمتع بالعلم والتجربة؛لأنك أنت المرشد نحو مستقبلك. والشهادة تكتسبها من الحياه، أما العلم فالطريق للنجاح.وحافظوا على شغفكم؛ فهو انعكاس شخصياتكم وروحكم، وأحبب ذاتك لأنك الراوي الحقيقي لها.

والأهم من ذلك: أرجوكم اخرجوا من القطيع،كونوا مختلفين، أعيدوا التجربة، فأنتم تتعلممون، وشاركوا؛ فمن المشاركة تكتسب التجربة والخبرة.

حين أنهيت مقابلتي معها، كان عليها أن تكون في الميدان، مع طلبتها، تقول لهم: "لا يهمني إن كنت شابا أم فتاة، أنا أراكم أبناء لي، يحتاجون إلى الدعم والمساندة، ولكن في النهاية عليكم أنتم أن تكونوا رواة للحكاية، وعلي أنا أن أفخر بزرعكم وثماركم".

آراء في هديل وهدان:

سلام صبح؛طالبة في السنة الأخيرة:تملك معلمتي من كلمات التشجيع الكثير: اُريدكم أن تكونوا الأفضل.وأنتم أصحاب الحق في رواية الحكاية.والتجربة هي برهان على النجاح. محاضراتها تحملنا الي أماكن وأجواء تحاكي الواقع باستمرار، وتنشلنا حين نقع في أخطاء.وقد جمعت لنا تجارب أصبحت مراجع لنا. وتحثنا على الاستمرار في مقاومة من يقف في طريق نجاحنا في الحياة. أما علاقتنا بها فهي علاقة أم تنصحنا وتوجهنا، وتتابع قضايانا الخاصة إن اقتضت الحاجة؛ لتصل بنا إلى برالأمان، وتحقيق أهدافنا في الدراسة والحياة.

أستاذ دكتور في جامعة بيرزيت، رغم أنهمرت عليه أجيال وأجيال، وعند ذكر اسم هديل وهدان، قال: طبعاً أذكرها. طالبتي هديل تملك من الثقة بالنفس ما يوزع على مجموعة كبيرة من الشباب، ليتحدوا فيها واقعا يفتقدون به إلى الاستمرار في البحث عن الحقائق.

اخترنا لكم
عماد ابو الفتوح عندما عرفت أن الرواية القا...
سلمى أمين هل تمنّيت يومًا أن تتحدّث أكثر م...
 هند الجندي ينظر معظم الناس للأذكياء...
لينا العطّار/  اخترنا لكم من اراجيك...
بقلم: تركي المالكي الحياة مليئة بالجمال وا...
اخترنا لكم هدى قضاض- اراجيك  يعد ا...
منوعات
رفيف اسليم/غزة يقول دنزل واشنطن:"بدون...
محمود الترابين/ غزة. انتشرت عبر مواقع الت...
غيداء حمودة/ رام الله، عزيزي القارئ، ابتسم...
نرمين حبوش/ مراسلة مجلة على صوتك في غزة، ح...
مراسلة مجلة علي صوتك جوليانا زنايد/ القدس،...
Khoulod youness/ Hebron,   ,My hea...