حين ينطق أصم... يدوي صوته عاليا

2017-01-14 11:31:45

دنيس حسنين/ غزة

ربما كان ميلاد محمود حدثا هاما في حياة عائلته؛ حالهم كحال أي أسرة تفرح بحضور أبنائها للحياة، فقد كان طفلا معافى إلى أن أصابته حمى قوية بالصمم؛ لتنقلب حياة الأسرة رأسا على عقب، وتسارع إلى علاج ابنها بكل ما استطاعت من قوة، ولكن دون جدوى.

ومن الإصابة بالصمم تبدأ الحياة الشائقة لمحمود أبو ناموس، 28 عاما، من سكان منطقة تل الهوا بغزة، الذي تدرك قدرته الفائقة على التواصل بمجرد النظر في عينيه، لدرجة أنك لن تعتقد أنه لا يقدر على سماعك أو الحديث معك.

بدأ محمود بكل عفوية يسرد بداية قصة تحديه مع الحياة التي خاضها، إذ لم يسمح له أبواه في صغره بالخروج من المنزل خوفا عليه من الأخطار. وحين بلغ سن الرابعة أدخل إلى المدرسة الخاصة بجمعية أطفالنا للصم، وقد كان منطويا على نفسه، يخاف من الاختلاط بزملائه في المدرسة، غير قادر على التعبير عما يريد. وشيئا فشيئا بدأ يعتاد على المدرسة، ويكون أصدقاء له من زملائه الصم. لكنه كان يفكر دائما بطريقة تختلف عن أصدقائه؛ فهم يحاولون أن يعزلوا أنفسهم داخل مجتمعهم الخاص، ولا يحاولون الاقتراب من مجتمع الناس المتكلمين، لأنهم يشعرون أنهم مرفوضون، دون أن يحاولوا، أو ربما حاولوا ولم ينصفهم مجتمع لا يقوى على دمجهم في مكوناته المفككة. لكن محمود كان دائم الفضول والشغف للخروج من قوقعته إلى العالم الخارجي، وإحداث تغيير في حياة جميع اقرانه.

بدأ يضع هدفا واحدا في رأسه؛ إن كان جميع الطلاب المتكلمين يستطيعون الالتحاق بالمدارس، والنجاح بتفوق، فأنا أيضا يمكنني ذلك. وأصبح ينافس جميع زملائه في الحصول على الدرجات الأولى في الفصل، وكان من الطلاب المميزين في مدرسة أطفالنا للصم. لكن حلم محمود بإنهاء الثانوية العامة؛ التوجيهي، والالتحاق بالجامعة، كان صعب المنال؛ إذ ليس هنالك أي مدرسة ثانوية للصم في غزة، مما دفع محمودا إلى إثبات وجوده بطريقة أخرى، دون أن يستجدي عطف أحد، وهو يعلم أن والديه بحاجة إليه ليكون داعما لهما بدلا من كونه عبئا عليهما، كما كان يشعر، وأنه يريد أن يشتري ما يحتاج إليه؛ شأنه شأن أي طفل في عمره. لذا قرر أن يعمل، وبدأ عمله في أحد محلات الدواجن كعامل يطلب منه صاحب العمل تنظيف المكان، وعلى ماذا سيقوى شخص أصم في نظر صاحب العمل هذا؟

"كان الجميع ينظرون لي على أنني مختل عقليا، في الوقت الذي كنت أراقب فيه زملائي لأتقن عملهم، وأثبت لصاحب العمل أن بإمكاني أن أعتمد على نفسي، وأن أنجز العمل كما يجب؛ فأنا فقط لا أسمع، لكن لدي عقلا يمكنه التفكير والتمييز بين الأشياء". قال ذلك محمود مستعينا بمترجمة لغة الإشارة.

وبالفعل بدأ يعتمد على نفسه في سن صغير، صحيح أنه لم يكن يحقق دخلا كبيرا، لكنه كان مكتفيا وقتها، وكان لا يزال يطمح لإكمال دراسته ليصبح مهما في مجتمعه، ويوصل رسالته إلى كل الناس: "إن كنتم تستطيعون فأنا أستطيع أيضا".

ولم تكن فرحة محمود توصف عندما التحق بمدرسة محمد صادق الرافعي؛ أول مدرسة ثانوية  للصم، سنة 2010، وينهي الثانوية العامة بحصوله على ترتيب الأول على المدرسة في التوجيهي. لكن هذه الفرحة كانت منقوصة؛ ففي نفس العام فقد منزله في العدوان الإسرائيلي على غزة. ثم التحق بأول برنامج لدبلوم الصم في الجامعة الإسلامية، ليتخرج منه العام الفائت الأول على دفعته كاملة في الحاسوب.

لقد تكلل حلمه بالنجاح، ذلك الشاب الذي استطاع أن يحصل لنفسه على عمل منذ صغره، كما استطاع أن يتعلم مهنة والده؛ الدهان، وطالما ساعد زملاءه في ورشة النجارة التابعة لمدرسة أطفالنا للصم في أخذ القياسات بدقة، وهو الأمر الذي كان يذهلهم: كيف يستطيع شخص أصم أن يفعل ذلك؟! إلا أن نظرات التحدي التي تبدو في عينيه خير دليل أن وصوله للنجاح مستحق.

ويتطلع محمود مستقبلا إلى تعليم شريحة كبيرة من المجتمع لغة الصم تطوعا، ليستطيع دمجهم في عالمه، وأن يحاول جاهدا كما تعود أن يفعل بحضوره الفعاليات والمشاركة بالمؤتمرات ضمن مؤسسات المجتمع المدني، أن يعمل على إيصال رسالة جميع الأشخاص من ذوي الإعاقة، أنهم يستطيعون، وأنهم يبدعون، وأنهم يرغبون بالمشاركة، وهذا من حقهم.

على الصعيد الشخصي يسعى للحصول على مصدر ثابت للدخل؛ شأنه شأن أي خريج، ويؤسس حياته الخاصة، وينجب أطفالا. وأهم ما يركز عليه في موضوع الأطفال أنه يريد لهم مستقبلا مشرقا؛ يريدهم أن يتعلموا، وأن يكونوا أقوياء، وأن يكونوا فخورين جدا بوالدهم.

اخترنا لكم
عماد ابو الفتوح عندما عرفت أن الرواية القا...
سلمى أمين هل تمنّيت يومًا أن تتحدّث أكثر م...
 هند الجندي ينظر معظم الناس للأذكياء...
لينا العطّار/  اخترنا لكم من اراجيك...
بقلم: تركي المالكي الحياة مليئة بالجمال وا...
اخترنا لكم هدى قضاض- اراجيك  يعد ا...
منوعات
Khoulod youness/ Hebron,   ,My hea...
جوليانا زنايد/ القدس،   أمي .....
التجمعات السكنية الضيقة في قطاع غزة تجعل من و...
محمد الشعار/ مصر فرغ محمد فتوح من فرض الفج...
ناريمان شوخة/ رام الله انكفأت إلى الور...
ناريمان شوخة/ رام الله 22 نيسان مع عتمة ال...