أرواح تلوم العالم .. ضحايا لا مذنبين

2020-09-04 13:37:19

إسراء صلاح/ غزة

 

هل تصدق أن هناك إنسان بكامل قواه العقلية يقرر أن ينهي حياته بطريقة بشعة لا يقبلها العقل البشري!

بالتأكيد لا يفعلها شخص يتمتع بكامل قواه العقلية، فالأمر يثير الاستغراب ويطرح العديد من التساؤلات؛ لعل أبرزها يكمن في ماهية الدوافع التي جعلت هؤلاء الناس ينهون حياتهم بتلك الطريقة؟ وعادة ما تبقى معظم الأسئلة القائمة حول موضوع الانتحار عالقة بلا إجابة.

الانتحار حالة تعبر عن اضطراب نفسي سبَّب اليأس، كالاكتئاب والفصام والإدمان والخوف وغيره من الحالات التي تؤثر على الصحة النفسية، فيعزي البعض مسببات الاضطرابات النفسية إلى الفقر والوحدة والضعف والتنمر لكن ذلك ليس صحيحًا دائمًا، فلا أحد يعلم طريقة تفكير الشخص في آخر دقيقة قبل أن ينهي حياته.

  يظن البعض أن الوحدة من أسباب الانتحار الأولى، لكن ليس في كل الحالات، فالممثل الهندي سوشانت سينغ راجبوت الذي يتمتع بالشهرة والنجومية، حيث عثر عليه مشنوقًا في منزله، كان يعاني من اكتئاب حاد مدة ستة أشهر رغم احاطته بالمحبين والمعجبين وزملاء العمل.

وليس التنمر سببًا كافيًا، ففي ستينات القرن الماضي اشتهرت نجمة هوليود مارلين مونرو بالجمال والأنوثة وتلقت العديد من الجوائز والتكريمات إلا أنها قررت أن تنهي حياتها بجرعة زائدة من المهدئات، فحياتها الشخصية لم تكن جيدة وربما هذا الأمر سبب لها أزمات نفسية دفعت بها إلى النهاية.

وليس الضعف سببًا أيضًا، فقد كان هتلر النازي شديد القوة والجبروت لكنه في نهاية الحرب العالمية الثانية أطلق النار على نفسه بعد علمه بإعدام أحد شركاءه في الحرب، وكذلك الملكة كيلوبترا استعانت بأفعى صغيرة سامة قرصتها في ذراعها قرصة مميتة.

 

ربما الإيمان!!

كتب الدكتور مصطفى محمود في كتاب الأحلام: "بدون الإيمان يصبح المرض والإفلاس والفشل أسباباً كافية للانتحار، إن الرجل الذي يعيش بلا إيمان لا يجدد مبرراً لعذابه، وهو دائمًا لا يقبل إلا واحداً من حلين: إما أن تكون الحياة سعيدة وإما أن يغادرها"

لكن الإيمان أيضاً ليس السبب المباشر؛ ففي عام ٢٠١٨ وقعت حادثة انتحار لحاج عراقي قام بإلقاء نفسه من سطح الحرم المكي وهو يؤدي لمناسك الحج، وتبين فيما بعد أنه كان يعاني من اضطرابات عصبية نتيجة وفاة أحد أبنائه قبل أشهر من الحادثة.

 وعليه فإن الإيمان مبنيٌ على الإدراك والعقل وليس شرطًا أن من ينهي حياته يعني أنه فقد إيمانه، فحياة الإنسان هي قاعدة الهرم التي تُبني على أساسها كل المسلمات والمعتقدات، ومدى إدراك الفرد يتضح في سلوكه وتصرفاته، فالسلوك الظاهر الذي نراه لا يعطي لنا الحق بالحكم دون معرفتنا بالعقل الباطن الذي لا يمكن أن نراه أو نعرف ما يدور بداخله، فلا يحق لنا الحكم بالذنب مطلقًا على المنتحر ونعته بقلة الايمان لمجرد انتحاره، والمقصود هنا ليس الوقوف بصف المنتحر؛ لكن معرفتنا بسلوك الفرد كانت اشارة لمن حوله بما يحدث معه ولربما استطاع انقاذه من الهلاك، والانتباه لنداءات استغاثته المكبوتة.

عانى الرسام فان خوخ من نوبات متكررة من المرض العقلي حينما قام بقطع أذنه اليسرى واطلاق النار على نفسه، وكان قد كتب رسالة لأخيه ثيو توحي بمدى معاناته وحجم الألم النفسي الذي شعر به، ومما جاء في الرسالة: "عزيزى ثيو، إلى أين تمضى الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة ... للرماد طعم مر بالعادة نألفه، ثم ندمنه، كالحياة تماماً: كلما تقدم العمر بنا غدونا أكثر تعلقاً بها، لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي، لكن لماذا؟! إنه الإخفاق مرة أخرى، لن ينتهي البؤس أبداً، وداعاً يا ثيو سأغادر نحو الربيع.

فالشخص المنتحر ضحية أكثر من كونه مذنب، فيجب التركيز على صحة الإنسان النفسية شأنها شأن الدواء والماء، فالطب النفسي حاجة أساسية للحفاظ على حياة الانسان.

وفي الختام، قال رسولنا الكريم : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، فلا إيمان من دون حب، فالحب هو حالة نفسية مريحة للإنسان والتعبير عنها يكون إما بالقول أو الفعل، والكلمة التي توّلد شعور الاطمئنان تكون بمثابة ترياق الحياة لكثير من الأشخاص، فكونوا أطباء الكلمات.

 

مصدر الصورة: الإنترنت

اخترنا لكم
عماد ابو الفتوح عندما عرفت أن الرواية القا...
سلمى أمين هل تمنّيت يومًا أن تتحدّث أكثر م...
 هند الجندي ينظر معظم الناس للأذكياء...
لينا العطّار/  اخترنا لكم من اراجيك...
بقلم: تركي المالكي الحياة مليئة بالجمال وا...
اخترنا لكم هدى قضاض- اراجيك  يعد ا...
منوعات
سها سكر/غزة " يا محمد يجب أن تعمل خير...
إسراء صلاح / غزة لطالما شكل هاجس الأعراف...
دنيس حسنين/غزة يستوقفني كثيرا في الآونة ال...
نغم كراجة/غزة عند مدرجات المطار بين تمتمة...
تصوير وإعداد: قمر مناصرة تمثيل: رهف عثاملة...
رفيف اسليم/غزة قام مجموعة من الشباب الغزي...