سجود علي حسين/ رام الله
رغم المحاولات الكثيرة للتغيير، إلا أن الجمود أصبح طابعا غالبا على مناهجنا التعليمية وهذه خمسة أسباب تشير إلى أن المسار التعليمي العربي يشكل عائقا أمام تحقيق العظماء مكانتهم:
تكبيل الحرية
يسير التعليم منذ عصر جدي وما قبله على نفس الوتيرة؛ فالمدرسة أشبه بسجن، والفسحة كـ"فورة" المسجون، فلا يلبث الطالب أن يلتحق بمقعده الدراسي حتى يبتعد عنه، أو يصيبه الضجر؛ لطول الدوام، وقلة الراحة، وضغط الواجبات الدراسية، بحيث يقضي نهاره رهين تجاذبات الرهبة والجزاء والعقاب والعلامة.
ضعف المناهج الدراسية
لا زلنا للأسف نحتفظ بسلسلة المناهج القائمة على التغني والسرد بماض اندثر، مقابل إهمال لطرح مناهج تتعلق بالحداثة والتكنولوجيا كأولوية، خاصة أن الأخيرة أصبحت من ضرورات العصر.
إهمال حقول ثقافية ضخمة
غالبا ما يتم تنفير الطالب من تنمية مواهبه في الرسم والموسيقى، وتوجيهه لممارسة الهوايات والتخصص بها، وكل ذلك يراه بعضهم ترهات لا تمنح عملا أومكانة اجتماعية. أما الجبر والنحو فهي فرائض علم؛ لا بد منها، وأن تكون طبيبا أو مهندسا فهذا ما يشكل الفرق.
غياب التشاركية في التعليم
يؤخذ على المعلمين أنهم مازالوا يعتمدون أسلوب تقديم المعلومات للطلبة بالشرح والتفصيل، ثم يطلبون من الطلبة حفظها وفهمها. في حين أن الطريقة المجدية في التعليم تتمثل في أن يشارك المعلم طلبته في بلورة المعلومات عبر الأسئلة الاستنتاجية والتمارين والأنشطة العملية.
تفشي سياسة القمع والتهميش
يقوم التعليم على التعارض بين قيمة المحتوى وطريقة عرضه، وهذا يؤدي إلى اتهام الطلبة والتعميم بالقول إن الطالب العربي كسول، وغير مبدع، وغير خلاق. لكن السؤال المهم هو من صنع هذه المسوخ البشرية؟! وكيف يشهد الجاني على نفسه؟
ولعل أكبر مثال على تحرر الطلاب من مقاعد الدراسة يكمن فيمن خلدوا أسماءهم في التاريخ، كإسحاق نيوتن؛ صاحب قصة سقوط التفاحة الشهيرة، التي أدت به إلى اكتشاف قانون نيوتن للجاذبية، حيث كان يوصف دائما بـ"الغبي"، وبمجرد ابتعاده عن مصادر الإحباط والنبذ، تمكن من أن يلاحظ ما هو غير عادي؛ ليصبح بذلك إنسانا غير عادي.
ولا يمكن إنكار نجاح الكثير من البشر بعد أن تحرروا من القالب التعليمي المعلب، وأن بعض التخصصات يتطلب ذلك. وكوني ملتحقة بكلية الإعلام في جامعة بيرزيت، فإنني حتما سأعاني من النمط التعليمي؛ لأنه يصعب أن تحظى بفرصة التفكير بعد التلقين، وتحديدا عندما تكون في تخصص الإذاعة والتلفزة، وهنا ستختلف قواعد اللعبة كليا؛ فالخبر لا تتم صناعته إلا من الميدان، والمعلومة تؤخذ من مصدرها الأساس، على خلاف الطبيعة الكونية فهو يفنى ويستحدث، وهذا يتطلب نقلة نوعية على الصعيد الشخصي.
ولكن النقلة النوعية، والتغيير الجذري، يعنيان أن تطلب كادرا تعليميا قادرا على مواكبة متطلبات العصر، يجمع بين الشدة واللين، ومتانة المحتوى، وعراقة التجربة الذاتية؛ فيكون قادراعلى نقل لوحة فنية زاخرة بالمعرفة والأصالة والزهو. وهنا أشكر القدر على هذه الفرصة؛حيث تعلمت على أيدي كبار الأساتذة والمختصين في مجال تخصصي.
خلاصة الأمر: لا ضرر في إطلاق سراح الطالب العربي لينال فرصة التأمل فالتفكير ثم الإبداع.