لقائي مع العالم "فخر وحزن وسخط ووعي"

2018-11-17 13:16:03

 

لقائي مع العالم

فخرٌ وحزنٌ وسخطٌ وَوَعي

                   علاء ريماوي/ رام الله                                                                                                         

 

حقيبةٌ ووداع

قبلت يدا أمي صباحاً، وتأكدتُ من أن الحقيبة معدة بالشكل المطلوب؛ ملابسي كافية، والأوراق الرسمية تملأ حقيبة اليد، جمعت كل ورقة وكل تصريح خوفاً من نسيان بعضها ويكون سبباً في تأخري أو عودتي، ودعت أمي وصديق، لم أخبر أحداً غيرهم بأنني مسافر سوى زملائي؛ بحكم أنها رحلة عمل، إذ كانوا على علم بذلك.

 

امتعاضٌ ثوري

بدأت الرحلة بالفعل من رام الله حينما أقلتنا مركبة عمومية من وسط المدينة ذهاباً لاستراحة أريحا "الجسر"، الجميل والمحزن أن من في المركبة كانوا كباراً في السن وكان في المقعد الأمامي يجلس أحد "الثوريين الفلسطينيين" الذين كانوا في لبنان وقدِموا مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، وبجانبي فلسطيني مغترب يحمل الجنسية الأمريكية، بدأ النقاش بعبارة صغيرة  بعدما انتظرنا سيدة لبضع دقائق، حيث امتعض ذاك "الثوري" من تأخرها، وحينما قال المغترب عبارته "لو أننا على حاجز إسرائيلي لما تكلمت بحرف" ومن هنا احتد النقاش، خلال الطريق إلى أريحا كان الحوار يدور حول دور فتح في النضال و"عمالة حماس" بحد قول "الثوري"، بعدها شعرت بأننا لا نملك بالفعل مبدأ الديمقراطية بيننا لنطالب به أصلا، ومن هنا تجلت فكرة الثورة التي صاحبها (مال) في نهايتها بمثابة المكافئة التي تجسدت في "الثوري" والمغتربين الذين عاشوا جزء من المعاناة ونلومهم على غربتهم كأنهم ليسوا من مجتمعنا ولا ذاقوا المرارة من كأسنا حتى، كان "المغترب" بعد الفينة والأخرى يلقي عبارة حول تاريخ أو حدث حصل عبر المحطة "النضالية" التي عاشها أولئك "الثوريين" مازحاً بغية تحفيز "الثوري" للحديث أكثر؛ الذي كان يتكلم بصوت مرتفع وصاخب؛ كان واحداً مقابل خمسة آخرين يطرحون معلومات حقيقة وواقعاً واضحاً.

 لا نملك حرية الرأي، لا نملك حرية الفكر، لا نملك حرية الديمقراطية في تعاملنا الشخصي فكيف لنا أن نطالب "بالحرية" كمفهومٍ مطلق ونتسلح به كوسيلة للخلاص، وفرض نضالٍ ثوري تحكمه الكلمة، والحقيقة ضد المحتل.

أعمل لأجلهم، ولكن ؟!!

وصلنا أخيراً؛ اتبعنا الإجراءات القانونية للتنقل عبر ثلاث معابر أحدها مجبرين عليه، الأول فلسطيني، والآخر أردنيٌ شقيق وما بينهما طفيلي فرض نفسه بجشعنا ووعينا المعدوم، وطأة أقدامنا أرض الأردن قبل أن ننهي المحطة الأخيرة للخروج من جسر الأردن اقتنصنا ذلك السائق وأقنعنا أن نستقل سيارته، موعدُ طائرتنا في تمام الساعة الثانية والنصف صباحاً، مكثنا ننتظر في أحد المطاعم وتناولنا وجبة الغداء، وهذه المرة الثانية لي في ذات المطعم، هنا حيث قابلت نفس العامل الذي رأيته المرة الماضية ،وتحدثنا سويا ً وكان قد عرفني حينما دخلت المطعم؛ محمود ذاك المصري الذي يعمل في المطعم، يتحلى محمود بأخلاقه العالية، ولباقته في التعامل، طلبت منه أن يحدثني عن مصر، وما إذا كان يذهب هناك بين الفينة والأخرى، وكيف هي الحياة هناك، قال "الغلاء في مصر أصبح 100% لم يعد المواطنون قادرون على العيش"، محمود يزور عائلته كل سنة مرة؛ وهو يعيل زوجته وأولاده في الأردن ويساعد أسرته في مصر، وقال "أنا في الأردن أتدبر أمور عائلتي ولكن أهلي في مصر كيف سيعيشون بعدما أصبح الغلاء فاحشاً، كنت أرسل 100 دولار تكفيهم شهراً لكن الآن لا يكفيهم 300 دولار في الشهر حتى، قال محمود عبارته التي جعلت ذهني يشرد لوهلة؛ "أنا هون عايش بس إلي هناك هو مين إلهم"....، لم أتكلم اكتفيت بالقول أن الأمور ستتحن، لا تقلق.

حال البعض لا يخفى على أحد، منهم من يهاجر طالباً للقمة عيشه ومنهم من يسافر رغبة وترفيهاً، ومنهم من يسافر للعمل كأمثالنا، الأول لا يملك الوقت ولا المال ولا الترفيه حتى، والثاني يملك المال والترفيه معاً، والأخير لا يملك سوى جزءاً من المال والوقت وبعض من الترفيه؛ سياسات ومصالح دولية أفرزت تلك الأصناف الثلاثة، مع العلم أن الصنف الرابع هو من يهاجر قصراً نتيجة قتل وتعذيب مارسته الدكتاتورية بحقه وهذا له مكانة، خاصة وكلامٌ لا ينفد.

 

زيت وعشاء

ذهبنا للمطار وكانت الثقافات، والاختلافات تنتظرني هناك، لم أرى مطاراً من قبل، كان يحمل بداخله خليطاً مما ذكرت، المقاعد ممتلئة، والأشخاص ليسوا متشابهين في لباسهم، ولون بشرتهم وتصرفاتهم حتى، الكل يراقب موعد طائرته، منهم مستغرقٌ في النوم، وهذا ما لم أستطع القيام به فأنا متلهفٌ لرؤية كل شيء، أتذكر أنا الزوجين اللذين يجلسان معاً يتصفحان صوراً كأنها تذكار لشيء جميل لهم، وهو يحدثها برومانسية، وأنا جل تفكيري بالطائرة التي لم تصل بعد، كيف ستكون الرحلة وما طبيعتها من الداخل وما الذي ينتظرنا.... .

الساعة الثانية عشر مساءاً "منتصف الليل" مازلنا ننتظر... ابتعنا كوبان من القهوة بالحليب المزينة بالكريمة والقرفة، جلسنا نطالع الفيسبوك والأوراق التي جمعناها منذ بداية رحلتنا، بجانبنا زوجان يلعبان "الشدة" وآخر يحدث صديقه على الهاتف، وهناك شخص يأكل لوحده ومجموعة، من الأشخاص يتسامرون ويضحكون، رغم كل ذلك إلا أنني أرى في عيونهم ذهناً يشرد خارج ما يقومون به، أين ومتى وكيف سيكون لقائه، أو لقائهم، إما بأرضه أو أرضاً أخرى يزورها للمرة الأولى أو حتى أكثر، الأضواء كثيرة والبضائع تملأ المكان، عالمٌ مختلف منطويٌ بذاته يكشف مجتمعاً أفراده متغيرون باستمرار ولكنه ثابت؛ ثابت برأسمالية، كسوقٍ استغلالي يخطف الأنظار، ولا يراعي اختلاف أولئك الأفراد.

عطاء يرافقه حب وحنان، عطف المسن وابتسامة المسنة، زوجان لا يرافقهما أحد، تآكلت أجسادهم والعمر أرهق جلدهم، بالكاد يستطيعان المشي، يدفعون للعمال هناك لكي يحصلوا على المساعدة "حتى المساعدة لم تعد مجانية" جلب لهم العامل كرسي بعد أن دفعا له ثمن ذلك، لم يسمح لهم  إدخال زيت الزيتون إلى الطائرة رد المسن على رجل الأمن، " نريد ان نأكل وجبة العشاء" الأوامر لا تسمح بمرور الزيت وأضاف المسن " خلونا نحط الأكل على الطاولة ونتعشى سوى" بذلك نجتمع ونحصل على وجبة جماعية ولا نهدر زيتنا هكذا، هي مجرد علبة صغيرة من الزيت جلبها المسن لكي يأكلان عند شعور أحدهما بالجوع.

 

 

ثقافات مختلطة وهدف واحد

انتقلنا من الأردن إلى إسطنبول ومن ثم إلى لتوانيا والتجربة الأولى لركوب الطائرة تحققت ولكن لم تكن كما وصفها لي الأصدقاء والزملاء، لم تكن مخيفة، لم أشعر بالتوتر حتى، وإنما هي المرحلة التي تهبط بها الطائرة التي تعيدنا للشعور بأننا على متنها لا أكثر؛ المدن والدول المضيئة ليلاً سلبتني عقلي فكان جل تفكيري في جمال المنظر من النافذة الصغيرة التي تطل على عالم كبير.

" الأسبوع العالمي للتربية الإعلامية والمعلوماتية لعام 2018"، مؤتمر سنوي جمع كل الجنسيات والثقافات، كان ذلك المؤتمر باباً لكي نرى منه  تجارب العمل ضمن برنامج التربية الإعلامية والمعلوماتية وكيف تتجلى تأثيراته في كل دولة وكيف تناولته كل دولة، لنرى أن التجربة الفلسطينية في الطريق الصحيح؛ فكل ما تحدث عنه زملاؤنا في المؤتمر من الدول الأخرى نحن خضنا جزءاً منه رغم المعيقات الموجودة في فلسطين، إلا أن وزارة التربية والتعليم شريكاً لنا في هذا البرنامج، الأمر الذي جعل من السهل التأثير في المدارس والطلبة، ونحن الجهة -لا أقول الوحيدة - ولكن الأكثر تفاهماً مع الجهات الرسمية في تطبيق هذا البرنامج حيث نعمل يداً بيد مع وزارة التربية لتحقيق ذلك وبإشراف من أكاديمية -دوتشيه فيله- الألمانية التي وضعتنا في الطريق الصحيح من حيث تدريباتها للمدربين وتمويلها السخي، كنت أشعر بالغيرة أن كل تلك الدول تملك بعضاً من الوقت الذي خصص لهم للحديث عن تجربتهم ونحن لا نظراً لكوننا أفضل بكثير من بعض التجارب التي طرحت.

قابلتنا لتوانيا بشؤمها وعدم تفاعلها مع الغرباء، أناسها باردوا المشاعر، وهذا ما تشعر به للوهلة الأولى حينما ترى أحداً منهم خاصة إذا كنت مختلفاً عنهم بالهيئة والشكل، قابلنا الكثير هناك، من كل القارات كان هنالك من يمثل بعض الدول منها، بذلك كان خليطاً ثقافياً بامتياز.

 

 

 

 

 

 

مازال هنالك أمل!

تلك الكلمات المشجعة زادتني فخراً أني فلسطيني، رفيق المصعد الذي حدثني عن دعمه للفلسطينيين، وحبه أيضاً للغته الإنجليزية الضعيفة ومشاعره القوية، والفتاة الصينية التي سألتني عن الصحافة في فلسطين، وما التحديات التي نواجها فور علمها أنني فلسطيني، والكثير منهم كان له تعليقه الخاص؛ كلها كانت إيجابية وداعمة، ولعل الشقراء البولندية التي تعيش في بريطانيا مازالت في ذاكرتي، عندما ألقت عليّ التحية كنت حينها أصلي بجانب غرفة خصصت للصلاة لمعتنقي الديانة المسيحية، أنهيت الصلاة وبدأ الحديث؛ تعارف يليه نقاش حول التفاصيل، الديانات والأعراق والجنسيات والحروب التي تحدث، ولعل الحصة الأكبر من النقاش كانت عن فلسطين وعن سبل تحقيق سلام يعم المنطقة بشكل خاص والعالم بشكل عام.

 

تلك الصورة النمطية التي خضنا حديثاً عنها؛ كانت تسلط الضوء على ضرورة الوعي بالتربية الإعلامية والمعلوماتية؛ التي تدعو للتفكر والنقد والتحليل والمعرفة بكل شيء، دون تبني المعلومات والرسائل بلاوعي، خاصة تلك التي تنقل الصور النمطية حول الديانات والشعوب والدول حتى.

في العالم من يعي حقيقة ما يدور حوله، يكفي أن يملك قلباً وعقلاً نظيفان ونقيان، يبحر من خلالهما لحقائق الكون وجمال الإنسانية ونبذ العنصرية والعصبية الفكرية والقبلية، فالكل يحمل معتقد خاص به، لكن إنسانيتنا هي التي تتوج الناجح والقدوة فينا، فالاختلاف جميل لو كنا نمارسه بالشكل الصائب.

معشوقتي المشاكسة!

الحنين أعادنا للبلاد من جديد، في طريقنا للعودة في كل محطة كنا ننتظر نتيجة التدقيق الأمني، لم يعتد أولئك على جواز السفر الفلسطيني وظنوه مزوراً؛ لكن عدنا لهواء فلسطين ولأناس فلسطين رغم البنية التحتية المتهالكة وعدم وجود نظام في الحركة والنظافة والإجراءات الأمنية مقارنة بالدول التي زارتها أرواحنا وأجسادنا، ولكن تبقى فلسطين الأفضل من بين تلك الدول، يكفي أن تُقابل بابتسامة، يكفي بأن تلقى عائلتك أصدقائك وأبناء بلدك، إننا نعيش في مجتمع فيه ألفة وهذا يكفي ويغني عن كل البلاد، رغم رجل المخابرات الذي أخذ مني تفاصيل شخصية ومهنية بحجة أنه يعمل لحمايتي؛ تبقى فلسطين هي المعشوقة المشاكسة التي تملك كثيرا من التجاوزات ولكن هي الاجمل في العالم بأناسها ومقدساتها وجبالها وصخورها وتينها وزيتونها.

 

 

 

 

 

 

 

اخترنا لكم
عماد ابو الفتوح عندما عرفت أن الرواية القا...
سلمى أمين هل تمنّيت يومًا أن تتحدّث أكثر م...
 هند الجندي ينظر معظم الناس للأذكياء...
لينا العطّار/  اخترنا لكم من اراجيك...
بقلم: تركي المالكي الحياة مليئة بالجمال وا...
اخترنا لكم هدى قضاض- اراجيك  يعد ا...
منوعات
Khoulod youness/ Hebron,   ,My hea...
جوليانا زنايد/ القدس،   أمي .....
التجمعات السكنية الضيقة في قطاع غزة تجعل من و...
محمد الشعار/ مصر فرغ محمد فتوح من فرض الفج...
ناريمان شوخة/ رام الله انكفأت إلى الور...
ناريمان شوخة/ رام الله 22 نيسان مع عتمة ال...