سوزي حيدر/ مصر
مر تاريخ العالم القديم والمعاصر بمحطات علمية مميزة، ومنها استخدام المصريين القدماء العلوم المختلفة في التحنيط وبناء الأهرامات، وتخصص كثيرون في علم الفلك، مما مكنهم من اكتشاف ظاهرة تعامد الشمس على وجه تمثال الملك الفرعوني رمسيس الثاني في معبد أبو سمبل بمدينة أسوان المصرية؛ في ظاهرة تحدث مرتين خلال العام، الأولى في 22 أكتوبر/ تشرين أول؛ الذي يوافق عيد ميلاد الملك، والأخرى في 22 فبراير/ شباط؛ عيد توليه العرش.
وكان العلم يستخدم لفائدة البشر على مختلف عقائدهم وأساليب حياتهم، حتى إنه عندما اكتشف العالم ألفريد نوبل الديناميت، شعر أنه تسبب في دمار البشرية، وحزن كثيرا لأن ما اكتشفه أضر بها، مما دفعه للإعلان عن جائزة كبرى حملت اسمه تتعلق بالسلام، وبأفضل إنجاز علمي ينتفع به البشر، في مختلف المجالات.
ولكن للأسف بات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي؛ Social Media، يمثلان العلم الحديث بالنسبة لقاعدة كبيرة من الشباب، الذين هرول كثير منهم خلف الشهرة والمتعة اللتين تتيحهما هذه المواقع، غير مدركين لكيفية الاستفادة الحقيقية من التكنولوجيا الحديثة، التي ظهرت لخدمة التقدم العلمي.
لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي آفة في حياتنا! وطالنا من سلبياتها أكثر مما طالنا من إيجابياتها، فهي وإن جعلت العالم قرية صغيرة، وشرعت النوافذ الإلكترونية أمامنا للاطلاع على عوالم وثقافات وعلوم جديدة، إلا أننا أسأنا استخدامها، حيث كان يفترض أن تكون تلك التكنولوجيا سبب تقدم ونمو الشعوب النامية، ولكنها أصبحت "المسمار الأول" في نعش تراجعها.
وقد بالغ الشباب والشابات في التقاط صور الـ"سلفي"، حتى أصبحت من بديهيات الحياة، وانتشرت عدة تقاليع وموضات في التقاطها، منها "بوز البطة" العجيبة، والتصوير أمام مرآة الحمام، أو في غرف خلع الملابس، ثم الـ"سلفي" في أماكن خطرة؛ كحافة جبل عال، أو من حافة شرفة في أعلى مبنى؛ لتكتمل طقوس الاستعراض بحثا عن الشهرة أو "كمشة كبيرة من اللايكات".
وقد تسبب الهوس بها في حوادث عديدة، حيث لقي كثير من الشباب حتفهم، وكان آخر تلك الحوادث سقوط فتاة، 18 عاما، من شرفة منزلها، خلال تصوير نفسها بجهاز "التابلت"، لتلقى مصرعها على الفور.
ومع ظهور منصات متعددة لمواقع التواصل الاجتماعي؛ كإنستجرام، وسناب شات، أصبحت الحياة الخاصة في خبر كان، ولم يعد استخدامها يقتصر على المشاهير الذين يستغلونها لإطلاع جمهورهم على أخبارهم وأعمالهم، بل أصبح كل شخص من موقعه يتبع أسلوب الفنانين في التصوير وبث الفيديوهات المباشرة، والمبالغة في إفشاء خصوصيات حياتهم، دون أن يهتموا بتثقيف أنفسهم في مجال الأمان الرقمي. وربما شاهدت غالبيتنا حلقة حملت عنوان "أنت مراقب" من برنامج خواطر 11 لأحمد الشقيري، الذي جمع معلومات شخصية عن أفراد من العامة، ثم قال فريق عمل برنامجه بمفاجأتهم بمعرفة معلومات دقيقة عنهم، وكل ما في الأمر أن هذه المعلومات قاموا هم أنفسهم بنشرها على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ليحذر في نهايتها من غياب خصوصية البيانات الشخصية مع تطور مواقع التواصل الاجتماعي وقوة تأثيرها.
أما برنامج "سناب شلا" فيعرف عنه أنه "ملك الفضائح"، لأنه يعتمد على البث المباشر لصاحب الحساب إذا رغب، وينقل الحدث كاملا من مكانه، وكان أشهر حادثة في الوطن العربي حين ظهرت فنانة شهيرة وهي تصور نفسها داخل حمام مغربي، وتتعمد الفتيات تصوير أنفسهن في جلسات خاصة بهن، وفي غرف النوم، وحتى في حوض الاستحمام لمن لم يلتفت منهن للبرنامج ويوقفن تشغيله.
وكان هناك هوس آخر اسمه "المتابعون"، وهو ما يسعى إليه كل شخص يمتلك حسابا على أي وسيلة تواصل اجتماعي، تظهر فيه المنافسة، مثل "تحدي الخير"، الذي بدأ بقصص فيديوهات لأعمال الخير، وتحدي الثلج من أجل أطفال مرض السرطان، ثم مجموعة فيديوهات بعنوان "لا تحكم على المظهر"، وهى فكرة تم تنفيذها بمنتهى الإسفاف، كأن يقوم شاب بوضع مكياج قبيح على وجهه، أو ترتدي فتاة ملابس توحي بأنها فتاة ليل، أو تضع أسنانا مستعارة وألوانا غريبة على وجهها، وكان أصل الفكرة ألا تأخذ فكرة عن أحد لمجرد المظهر فقط، ولكن الإسفاف أفشل الحدث؛ بسبب اهتمام منفذيه بعدد المتابعين.
وظهرت أفكار قاتلة كتحدي "لعبة الموت"، التي يقدم خلالها الشاب على شنق نفسه على الهواء، ليتم إنقاذه في اللحظات الأخيرة، ولكن هناك من لم يرغب الموت في مشاركته المرح الساذج، وقبض روحه قبل أن يتم إنقاذه.
أما آخر التقاليع "المجنونة"، فتمثلت في رش شاب جسده بمادة سريعة الاشتعال، وأشعل النار في نفسه للحظات قبل أن يطفئها، وكانت النتيجة حروقا في الوجه والشعر وأجزاء متفرقة من جسده، وهناك من كان أكثر جنونا منه، حيث تقمصت أمه دور "المصور"، وصورته حين أشعل النار في جسده، فاعتقلتها الشرطة الأمريكية بتهمة تعريض حياة ابنها للخطر.
وفى نهاية الأمر، كل تلك الحوادث التي تقع بسبب سوء استخدام التكنولوجيا الحديثة، ليست سوى وسيلة لتحقيق الشهرة، وزيادة عدد المتابعين على الحسابات المختلفة، دون مبالاة بمدى تعريض حياة مفتعليها، وحياة الآخرين، للخطر، إضافة إلى تعرض الخصوصيات للانتهاك أثناء التصوير.