محمد أبوربيع / رام الله
كان الأول من تموز عاما موجعا على قرية المزرعة القبلية، وخاصة على الحاج أبوعقل، الذي عرف عنه تعلقه الشديد بأرضه وحقله وحبه لهما، ففي مساء يوم الأحد كان الحاج وعائلته على موعد مع حدث جلل لم يكن في الحسبان... في تلك الليلة المشؤومة كانت النار تشتعل في السنابل الصفراء الواقفة في حقله بكل إباء، ولكنها لم تنحن بسهولة حتى أكلتها النار! وهل تملك السنابل أمام هيجان النار إلا التلاشي رمادا تذروه الرياح ليتحول الحقل بعدها أثرا بعد عين.
لم ينجح الفلاحون الذين اجتمعوا بالمئات في إطفاء الحقل؛ فماذا تفعل جرار الماء أمام نار تكاد تميز من الغيظ؟ وماذا يفعل صياح المئات منهم أمام ألسنة اللهب الغاضبة؟
واستسلم الناس أخيرا وثرثروا، وعبروا عن غضبهم وتعاطفهم مع أبوعقل. كانوا يمرون أمامه واحدا تلو الآخر يسلمون عليه ويواسونه كأنهم ينفضون عن جنازة. أما الحاج فقد وقف صلبا لم تذرف له دمعة، ولم يهتز له جفن، وبقي قويا، كان يبتسم وهو يتلقى كلمات المواساة ويقول: الحمد لله على كل حال؛ سأظل متمسكا بهذا الحقل، إنه أعز من أبنائي جميعا. وفي مساء ذات اليوم كان بيت الحاج يعج بالمواسين، الذين رأوا أن من واجبهم زيارته ومساندته.
كان أبناؤه يبذلون كل جهد لإرضاء والدهم؛ فهو لحوح كثير الطلبات: هات الشاي يا علي، أشعل الأراجيل يا يونس،ا فتح الشبابيك يا رياض، أين القهوة يا عدنان"؟ وأبناؤه دائما طوع أمر أبيهم المكافح، والكادح والكاد طيلة حياته، ليشتري لهم أرضا من أكبر أراضي القرية مساحة، زرعها بالزيتون والتين والعنب، وترك جزءا منها محاذيا للشارع العام لزراعة القمح، وأحاطها بسياج حديدي عال لا يستطيع أي أحد القفز عنه، خاصة صغار جاره أبو كنعان.
وسرعان ما أدرك أبو عقل أن الضيوف يرغبون في سؤاله عن الحريق وعن الفاعلين المحتملين، ولكنهم لا يملكون الجرأة؛ فهم يعلمون أنه عصبي، ويعاني من ارتفاع ضغط الدم منذ عشرين عاما، ويغضب كثيرا عند الحديث في أمور كهذه.
الكل متأهب للرحيل
بقي الجيران والأهل عنده حتى منتصف الليل، والكل متأهب للرحيل... ورفع أبو عقل فنجانا من القهوة السادة إلى شفتيه المتشققتين والمزرقتين، لأول مرة منذ وفاة أمه بسبب ارتفاع الضغط، قبل أن يتقدم الجميع، ويفتتح الكلام بقوله: "يا جماعة الخير"! عندها أدرك الجمع من ملامح وجهه واعتدال جلسته أنه يرغب بالحديث عن الحادث، وأنشأ يقول:"أهلا وسهلا، وإن شاء الله لن تروا بأسا في حياتكم، وأنا فخور بكم وبوقفتكم معي".
هنا حبس الحضور أنفاسهم، ووقفوا متسمرين كأن على رؤوسهم الطير، ينتظرون بقية الكلام، وهنا قال أحدهم بصوت يشوبه الحذر:"لعل الحاج يهدف إلى أمر آخر يريد أن يوصله لنا"!
رصيد الحاج من الذكريات الدفينة
رفع أبو عقل عينيه وحدق في وجوه الجميع، ومد يديه وأصلح من شأن كوفيته وعقاله، وتنحنح، فلم يبق أحد في المجلس إلا واعتدل، وساد صمت ثقيل، وعندها قال:"ما حصل لم يكن بصدفة، وليس عبثا، وإنما بفعل فاعل". فتعالت أصوات الناس؛ هذا يصرخ، وهذا مصدوم، وأخذ آخرون يحللون، وساد توتر يشي أن كلا منهم خائف أن يذكر اسمه فيدب الخلاف بينهم، ويتم العبث بأمن القرية، وتنشأ فتنة لا يعلم وجعها ومداها إلا الله. ولكن الحاج لم يشأ أن يترك ضيوفه رهائن للوساوس والظنون، وقرر أن يحسم الأمر، ويكشف عن المصاب الجلل بحذافيره، وقال والدموع تغرق عينيه: "في الأسبوع الفائت كنت في الأردن للعزاء بوفاة ابن عمي أبو غانم اليوسف، ومكثت هناك ثلاثة أيام، وعدت مع فجر يوم الخميس الماضي في أول الباصات المتجهة إلى الجسر؛ وفي الثامنة كنت أمام شباك المجندة على الجسر الإسرائيلي، حيث سلمتها جواز سفري، ولكنها لم تعده لي، وطلبت مني أن أنتظر جانبا، فجلست على كرسي في زاوية، وبدأ الناس يتوافدون ويسلمون جوازاتهم ويذهبون، وأنا على الكرسي أتململ وأقوم وأقعد، وعندما أطلب منها تسهيل أمري تنهرني بحقد وتقول لي:"روخ اقعد؛ فأقعد وأنا أشتعل غضبا. ولكن ليس في يدي حيلة، وجلست أذكر الله، حتى غفوت، لأصحو على صوت المجندة تنادي:"أبو عقل".عندها انتفضت ووقفت، فأشارت إلي أن أتبعها، وسرت خلفها، حتى أوصلتني إلى غرفة صغيرة فتحت بابها وقالت:"أدخل هون". وما إن دخلت الباب حتى هب لاستقبالي ضابط بلباس مدني، ومد يده مصافحا، وسحب كرسيا من الجلد أجلسني عليه، ثم جلس على كرسيه خلف المكتب، وعرض علي شرب القهوة فاعتذرت، وتعللت أنني لا أحب القهوة ولا الشاي.
قال الضابط:"حدثني عن البلد والناس والسلام، وأشياء كثيرة، كنت أستمع ولا أتحدث، لقد أدركت أن حديثه هذا ليس جوهر الموضوع، بل هو مقدمات لحديث آخر، وفعلا لم يطل الوقت حتى سألني: كيف علاقتك بجيرانك يا حاج؟ فأجبته متصنعا الجهل: من هم جيراني؟ فضحك بخبث وقال:"جيرانك اليهود".
قلت له: ولكنك تعلم أنهم مستوطنون أقاموا مستوطناتهم على أراضينا، وهم الآن يمنعون المزارعين من الوصول إلى حقولهم، فهل تريد مني أن أحبهم؟ فضحك الضابط ونهض عن كرسيه، وسحب كرسيا آخر وضعه إلى جانبه، وأشعل سيجارة رفضت أن آخذها، فوضعها في فمه سحب منها نفسا طويلا، وقال:"اسمع يا أبو عقل؛ أنت رجل عاقل، وأنا سأتحدث معك من الآخر؛ نحن نعاني من مشكلة؛ فالسكان اليهود يريدون أرضا جديدة لبناء منازل جديدة، والأرض المجاورة لهم هي أرضكم". هنا قاطعته غاضبا: "هل تريد مصادرة ما تبقى من أرضي لضمها لمستوطنة؟ ألا يكفي ما صادرتموه منها من قبل"؟
ربت الضابط على كتفي بأعصاب باردة وقال: "لا يا حاج؛ لا نحن لا نأكل حقوق الناس، بل نحرص على القانون! نحن نريد فقط مساحة صغيرة من الأرض، وسندفع لك ثمنا أنت من يحدده". هنا لم أتمالك أعصابي، ونهضت واقفا، وقلت له:"مش راح أتنازل عن ذرة تراب واحدة". غضب واحمرت عيناه. وفجأة لم يعد ودودا كما كان حين دخلت المكتب".
الهدوء والضجيج يرسمان خريطة حب الأرض
حدق ضيوف الحاج ببعضهم، وتنفسوا الصعداء، فقد ارتاحوا لأن المجرم ليس منهم، وهم جميعا في مواجهة عدو واحد يغتصب أرضهم، ويحرق حقولهم، وبدأ كل يدلي بدلوه، أما هو فكان يستمع، ولم يتحدث إلا بعد أن ساد الهدوء مرة أخرى، فقال: "واضح أن المستوطنين بدأوا معركتهم معنا، فاليوم أحرقوا الحقل، وغدا سيقطعون الأشجار، وبعد غد سيغلقون الطرق، وفي النهاية سيصادرون الأرض، وهم محميون بالجنود المدججين بالذخيرة، وليس لنا طاقة بهم..اسمعوا يا أخوتي، أصلحوا أرضكم، ازرعوها، واهتموا بها ولا تتركوها أبدا، لا تغادروها، عليهم أن يحسبوا ألف حساب قبل الاقتراب منها".
ولم يفهم الحاج عبد الغني كلامه فسأله: "ولكن يا حاج؛ الأرض بحاجة إلى إعمار وزراعة وحفر آبار، وإلى عمال، وسماد وأشتال وغير ذلك، وهذا يحتاج إلى مال، ونحن فقراء لا نملك ما نسد به رمق العيال"!
ولكن أبو عقل لم يفاجأ بالسؤال، فأجاب: "هذا صحيح، ولو كنا نملك المال لحولنا هذه الجبال الجرداء إلى جنات، ولكننا فقراء، ولكننا أيضا شعب لا يعرف المستحيل، وعلينا إيجاد الحل. يجب أن نعمل بإرادة قوية مهما كانت الإمكانات، ومنذ الغد ليحمل كل واحد منكم فأسه ويتبعني، فلن تشرق الشمس إلا ونحن في حقولنا، لن نتناول خبز الإفطار إلا فيها، يا ناس إن لم ندافع عن أرضنا فلن نجد مكانا لقبورنا"!
في الساعة الواحدة من فجر اليوم الثاني كان الحاج في سيارة الاعتقال الإسرائيلي معتقلا لمدة ستة أشهر اعتقالا إداريا.
غاب الحاج، ولكن الآلاف من الفقراء نسجوا مع أرضهم أروع قصص التضحية، وصارت الأرض تنبت رجالا قبل أن تنبت زرعا.