عائشة حسونة/بيرزيت
ما يزال يحلم بها كثير من المرضى في فلسطين، انتظار مزيد من الاقتناع والتطور في فهم القانون لدى الجمهور، وتحقيق القناعة تقوم على ضرورة التبرع بالأعضاء من الأشخاص المتوفين من أجل إنقاذ أرواح أشخاص آخرين.
فعمليات زرع الأعضاء والتبرع بها لازالت مستوياتها قليلة في المستشفيات الفلسطينية، ورغم الجهود المبذولة من طرف الجهات المختصة من أجل رفع عدد العمليات سنويا والاقتراب من المعدلات العالمية ومحاولة بناء مراكز متخصصة بالأعضاء في هذا الجانب من خلال سن التشريعات القانونية المنظمة ومحاولة توفير وتطوير الوسائل والأجهزة الطبية اللازمة، إلا أن هذه الجهود تواجهها العديد من العقبات من أهمها نقص عدد المتبرعين، ونقص الوعي المجتمعي اتجاه هذا الجانب؛ الذي يرجعه الخبراء إلى سيادة بعض الأفكار التقليدية التي ترى في العملية تعدّياً غير مقبول على الجسد الإنساني، ولم تفلح الحملات الإعلامية للتوعية بأهمية التبرع لإنقاذ الأرواح في تجاوز الثقافة الشعبية الرافضة.
موقف الشريعة الإسلامية
أكد الشيخ إبراهيم عوض الله؛ مفتي محافظة رام الله والبيرة، جواز نقل وزراعة الأعضاء من أشخاص متوفين أو من أشخاص أحياء لمرضى من أجل إنقاذ حياتهم وفقا لشروط وأحكام خاصة.
بدأ حديثه مشيراً إلى قوله تعالى:"مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا"، مشدداً على ضرورة فهم الأمور بطريقة عصرية لا تخالف القرآن الكريم، ويقول: "إن العملية الجراحية ومنح الدواء والإطعام ونقل الأعضاء من أجل الحياة هو حياة".
ويبين الشيخ إبراهيم أن للمسألة وجهين أحداهما يتعلق بالتبرع بعضو في حياة المتبرع، فلا يجوز في هذه الحالة التبرع بأعضاء تتوقف الحياة عليها، كالقلب والكبد والرئتين، أو تتعطل بسببه وظيفة رئيسية من وظائف الجسم، أو يترتب عليه تشويه في خلق الإنسان؛ لأن الضرر لا يزال بمثله، وكذلك لا يجوز نقل الأعضاء التي تحمل الخصائص أو الشيفرة الوراثية خوفا من اختلاط الأنساب، أما العضو الذي لا يكمن في نقله ضرر على صاحبه المنقول منه، وتحققت المصلحة للمنقول إليه، فلا حرج في ذلك، بل له في ذلك الأجر والثواب.
بينما الوجه الآخر هو أنه يجوز نقل الأعضاء من الميت إلى الحي حتى تلك الأعضاء التي سبق ذكرها في الصورة السابقة إلا تلك الأعضاء التي تحمل الخصائص الوراثية، "ولكن بشروط محددة ورد ذكرها في قرار مجلس الإفتاء الأعلى رقم:1/106 بتاريخ 3/6/2013م، فإذا توافرت تلك الشروط، فقد اتفق الفقهاء والمجامع الفقهية على جواز ذلك، لأنه يعد من باب تفريج الكرب والهم عن الغير، والتعاون على البر، وفي كلتا الحالتين يشترط في المتبرّع له أن يكون معصوم الدم".
وحسب عوض الله أنه يمكن للميت أن يتبرع بأعضائه قبل وفاته مع مراعاة مشاعر عائلته ومراعاة كرامة الميت، بحيث لا تصل المسألة إلى تشويه الجثة، "وهذا وارد في فتاوى مجلس الإفتاء الأعلى، ونحن على التواصل مع العاملين في المجال الطبي في هذا السياق".
"وفي حال الحياة يجوز للإنسان أن يتبرع بشكل لا يضر بحياته، فالتبرع يصبح حالة من حالات الإنتحار في حال تبرع بعضو يؤثر على حياته". حسب عوض الله
وأكد الشيخ عوض الله إن التبرع بالأعضاء البشرية حلال وجائز لكن بضوابط، مؤكداً أن الشريعة الإسلامية تدور في مجملها على تحقيق مصالح العباد.
أما في حالة التبرع من قبل إنسان متوفى سريريا ودماغيا، فقد اختلف الفقهاء في معنى الوفاة الشرعية أي من هو المتوفى شرعاً، وأوضح أنه من يفقد الإحساس والقدرة على النفس حتى ولو كان مزوداً بآلات طبية والخلايا حية فهو لا يسمى متوفى، وأضاف: "توقف الدماغ عن العمل لا يحكم بموت من ناحية شرعية".
وأوضح التشريع الصادر عن دار الإفتاء الفلسطينية أن المتوفى حقيقة حسب الرأي الطبي والفقهي، تبقى بعض أعضائه حية لفترة معينة، هنا يجوز نقل أعضائه لمريض يستشفي لكن بضوابط، الأول أن يكون التبرع إما بوصية من المتوفى أو بموافقة الأولياء أو الورثة أو الحكومة أو صاحب الولاية العامة، في حال كان المتوفى مجهول الهوية، والضابط الثاني متعلق بالمريض الذي سيتم التبرع له، فإذا كان التبرع بشيء تجميلي فهو غير جائز كون الحياة غير مهددة ومستمرة، والضابط الثالث أن يكون العضو المتبرع به صالحاً، وأن لا يدفع المتبرع له مقابل العضو، وهو غير جائز مطلقاً".
وأوضح أيضا أنه يوجد أعضاء غير جائز التبرع بها، مثل الأعضاء التناسلية التي تؤدي إلى اختلاط الأنساب، كذلك غير جائز التبرع بجثة كاملة، فلا يجوز التبرع إلا بما ينقذ ويحقق الحياة فقط.
وأكد أن الحفاظ على النفس والحياة مقصد أساس من مقاصد الشريعة الإسلامية، مشيراً إلى قول الفقهاء حول كون أحكام الشريعة الإسلامية تدور حول خمس قواعد تسمى الضرورات الخمس، وهي: حفظ الدين بكل أحكامه وعقائده، وحفظ النفس، حفظ العقل، حفظ المال، وحفظ النوع الإنساني.
موقف المجتمع
بقي التبرّع بالأعضاء، وهو فعل إنساني نبيل يترجم روح العطاء والتضامن الاجتماعي، مجرد مبدأ يقف عليه المواطن العربي لكن لا ينفذه، في ظل غياب الثقة في المنظومة الصحية وضعف التوعية بسلامة التبرع وحجم الضمانات الأخلاقية والطبية والقانونية المكفولة لنجاح العملية، وهذه العوائق تحرم آلاف المرضى من إنقاذ أرواحهم.
ويتردد المواطن العربي في قبول التبرع بأعضائه، وهو يدرك أنه عمل نبيل، إذ أنه ينقذ روحا بشرية من الموت ومع ذلك لا يتحمّس له، وقد تكون دوافع هذا التردد نفسية مخافة لحرمة سلامة الجسد وعدم تعريضه للتشريح، أو عدم المقدرة على التفكير في وقت المصيبة "وفاة القريب"، وقد يكون لغياب التشجيع على التبرع وهنا تقع المسؤولية على عاتق الدولة ووزارة الصحة تحديدا، لكن مهما اختلفت الدوافع يواجه المشرفون على هذا العمل الإنساني تحدي إقناع المجتمع بأن هذه العملية آمنة ومحللة ليصلوا إلى هدفهم المنشود وهو إنقاذ الآف المرضى الذين هم على قائمة الإنتظار.
عند موت شخص قريب أو عزيز، جميع من حوله تنتابهم حالة الصدمة، والحزن الشديد، وقلة الوعي بالأحداث المجاورة، فهل الوعي بكل ما ورد في التقرير سيوقظ فردا ما ليبادر بكسر الحواجز ومحاولة التبرع ببعض أو ما أمكن من أعضاء المتوفى؟ وكم من شخص سيتذكر حجم الأجر والثواب في محاولة إنقاذ الكثير من الأشخاص المنتظرين معجزةً من السماء تُبعثَ لهم؟.