سجود علي حسين / رام الله
بعد أن قرأت مقالة لإدوارد سعيد بعنوان"سلطة التلفزيون أو فقدان الدقة" خلال مساق مقدمة التلفزيون، التي تناول فيها مدى تأثير هذا الجهاز حينها على المواطن الأمريكي، مقارنا إياه مع واقع الوطن العربي، ويقول معلقا على دراسة أجراها الناشط التعليمي منير فاشه حول مواضيع النثر لطلبة الثانوية حينها، ليجد أنهم غير قادرين على الكتابة بتميز، حيث يقول إدوارد سعيد:"لكنني أجد هنا عند طلبتي في هذه الجامعة الأمريكية الرئيسية ذلك النوع نفسه من فقدان الدقة والتخصيص، والميل إلى التخلي عن التفكير الواضح عملية ومفاهيم". ويضيف: "من هنا فإن الظاهرة هنا شمولية".
وقد استفزني مصطلح الشمولية؛ أيعقل أنني أيضا غير قادرة على ملاحظة التفاصيل والنظر إلى الأمور بعمق؟سألت نفسي: كم عدد الساعات التي أقضيها في إعداد نفسي لأكون بعكس ذلك؟ فكانت الإجابة صعبة، ولكن وجدت عدد الساعات التي تذهب سدى من وقتي، 96 ساعة سنويا، بحساب الساعتين اللتين أخصصهما بشكل منتظم للترفيه يوم الجمعة فقط. فكيف إذا أضفت عدد الساعات الحقيقي الذي لا أفعل فيه شيئا يذكر؟ في هذا الوقت كم كتابا كنت سأقرأ؟ وكم مهارة كنت سأتعلم؟ وسيتردد سؤال الـ"كم"هذا كثيرا!
أين الخلل؟
يضيف إدوارد سعيد في مقاله: "حيث يمنع التعليم الذي يأخذ شكل التلقين، إضافة إلى الراديو والتلفزيون والخطاب السياسي الفاسد تماما، أو المزيف، حول الوضع الاجتماعي، التعبير السهل والمتعين عن الذات".
وهذه الأسباب الثلاثة تعد إجابة على سؤالي. ولكن دعونا لا نعمم؛ فأنا أرى أن مشكلة التعليم التلقيني بدأت تتلاشى ببطء، على الأقل داخل الجامعات، تحديدا جامعة بيرزيت، فالفصل الحالي غني بالنسبة لي كطالبة إعلام، بأساتذة حملوا على عاتقهم رفض نظام التعليم الحالي، ومنحني أحدهم القدرة على معايشة واقع العمل الصحفي عبر رحلات ميدانية، وآخر عزز قدرتي على تحليل الخبر ونقده، والتفكير فيه بكل عمق، وآخر منحني علم الكاميرا والتصوير بطريقة عملية، وهذا الأمر يبدو إيجابيا.
والآن، لو قلنا وسائل الإعلام هي أخطر الأسباب، فهي تنفرد بك وحدك، وتجعلك منوما مغناطيسيا؛ فقف هنا قليلا، هل لجهاز أشتريه بمالي، واخترت أدق تفاصيله بعناية، أن يأسرني عن الإبداع والتميز، ويجعلني عاجزة؟ أيعقل ذلك؟
إن المشكلة برأيي في فهم الإنسان لذاته وماذا يريد، وقد شدني سعيد في مقالته ما جاء في بدايتها، فهو عندما مرض وأخذ إجازة عن عمله أراد تجربة وسيلة التسلية الأكثر رواجا في أمريكا حينها ليعلم تأثيرها على نفسه، أي إن المحصلة تكمن في وقت الفراغ؛ فنحن فعليا نقع ضحايا للفراغ. وبالتأكيد ستقول لنفسك ضاحكا: ماذا تقولين؟هل وقع إدوارد سعيد ضحية لوقت الفراغ؟
أنا هنا تحديدا أقصد أن الفراغ بدأ يتسرب لحياته تدريجيا؛ فهو يقول بنفسه:"لم أعد أهتم بالموسيقى أو قراءة الكتب لفترات طويلة، وشعرت بالاكتئاب والإحباط الذي يصيب أي مريض".
فلماذا لا تجعل قدميك تأخذانك لاإراديا إلى كلية الرياضة بشكل منتظم لتخلق عادة لديك؟ ولماذا لا تنتسب لفرقة الجامعة الغنائية أو مسرحها؟ ولماذا لا ترسم؟ أوتلعب الشطرنج؟ لماذا لا تكثف من الأعمال التعاونية؟ ولماذا لا تكتسب المعارف الجديدة؟
أنا أومن أن النجاح والتحرر من وطأة التكنولوجيا يكمن في الاعتناء بالروح والجسد معا.