عهد مسلماني/ القدس
تؤثر أفلام الكرتون التي تبثها قنوات الأطفال على لغتهم، حتى أصبحت اللغة العربية الفصحى هي اللغة التي يتكلم بها عدد، كبير منهم خاصة وأن صغر سنهم يمنعهم من التمييز بين قبول المجتمع لهذه اللغة، أو مقابلتها بالاستهزاء. ولذلك يقابل الطفل الذي ينطق باللغة العربية الفصحى بالضحك والاستغراب، بدلا من تشجيعه.
عرضة للسخرية
أحمد العيسوي، 30 عاما، من غزة، هو والد الطفل خالد، الذي يتحدث الفصحى، يعرفنا على ابنه، خمسة أعوام، الذي يتعرض للحرج في مواقف كثيرة، حين تضحك كلماته الكبار والصغار.ويضرب على ذلك مثلا فيقول:"حين تشاجر مع ابنة عمه، ثلاثة أعوام، طلب منها الاعتذار لأنه المخطئة ففعلت، فقال": لا بأس فقد سامحتك، فأثارت كلماته ضحكات الموجودين". ويضيف: "شعرت بمدى الحرج والغضب الذي شعر بهما خالد، قبل أن يختفي في غرفته، وهو حاليا يفضل اللعب في غرفته كلما حضر للبيت ضيوف. وعندما طلب منه اللعب في ساحة المنزل
قال: "إنهم يسخرون مني يا أبي. ..لا أريد رؤيتهم"

و يتحدث نادر السقا، 36 عاما،عن ابنته ذات الأعوام الخمسة، التي لا تتحدث سوى الفصحى وبإتقان، فيقول: "قبل أيام كنت أنوي أن أغلق التلفاز فقالت لي: "أبي أرجوك لا تغلقه الآن، فأنا أنتظر مسلسلا بعد أنشودة حروف العربية". ويعتبر أن تحدث ابنته بتلك الطريقة هو نعمة من الله عليه أن يحافظ عليها، لذلك يحرص دائما على التحدث معها بالفصحى، ويشير إلى أن أقاربه وزملاء ابنته كثيرا ما يسخرون منها، مما يؤثر سلبا عليها .
جهل باللغة
ويعتبر الدكتور طالب ثابت؛ أستاذ اللغة العربية في جامعة الأزهر، أن اللغة العربية هي لغة القرآن، ولغة أهل الجنة، ويقول:"حديث الصغار بالعربية الفصحى أمر لابد من احترامه وتقديره، بل وتشجيعهم عليه، بدلا من مقابلته بالسخرية والاستهزاء، اللذين يؤديان إلى إحباط الطفل مما يدفعه للحديث باللهجة الشائعة كي يتجنب المواقف التي يتعرض لها".

ويشير إلى أن لوسائل الإعلام دورا كبيرا في إحياء اللغة العربية الفصحى، و وجود القنوات الخاصة بالأطفال أمر هام لصقل لغة الطفل وتنمية مواهبه؛ ليكبر وهو متمكن من النطق بها بشكل سليم.
ازدواجية اللغة
ويرى الدكتورعبد العظيم المصدر؛ أستاذ علم النفس في جامعة الأزهر، أن الطفل في مراحله الأولى يكون كالإسفنجة التي تمتص كل شيء، لذلك يتأثر بكل ما يدور حوله وما يشاهده من أفلام كرتونية، ويبين أنه عندما يحاول الطفل تقليد شخصيات الأفلام الكرتونية، يواجه نظرة استغراب وسخرية؛ لعدم توافق ما يتحدث به مع حديث العامة، فينشأ في ظل ازدواجية اللغة، معتقدا أن كل المجتمع يتحدث لغته، فيتساءل :"لماذا هذا الاستغراب عندما أتحدثها أنا". ويوضح أن الطفل الذي يسخر الناس من لغته يشعر بالألم، ويتجنب اللعب مع أقرانه الذين لا يتحدثون نفس لغته ،كما يتجنب التحدث مع الكبار خوفا من إحراجه، ويقول: "قد يصل الأمر أحيانا إلى نمو شعور بالكراهية والعداء للناس، أو للغة الفصحى، التي ستعني له في المستقبل نظرات السخرية والاستهزاء".

لا للاستهزاء وترجع هذه النظرة لقلة وعي المجتمع وجهله باللغة، التي تبدأ بالأسرة، ثم المدرسة، حيث كثيرا ما يتحدث المدرسون بالعامية بدلا من الفصحى فيها، إضافة إلى وسائل الإعلام التي تركز على العامية، مما يجعل الفصحى صعبة وغريبة على الناس.
ويبين أن على المجتمع أن يغير نظرته للطفل الذي يتحدث الفصحى؛ لينشأ الطفل محبا للغته،وليداوم التحدث باللغة الفصحى مع الطفل.