محمد طلعت من مصر وهديل طاهر من فلسطين
العمل عبادة. ومن مات في طلب العلم فهو شهيد. وهناك من يجمع بينهما؛ فيعمل لدراسته، ويدرس لعمله، وهم طلبة قادرون على تغيير حياتهم، وعازمون على تطوير أنفسهم، واكتساب الخبرات. وفي خضم ذلك كله، يخوضون معاناة حقيقية، في تجارب مختلفة، لطلبة فلسطينيين ومصريين.
يعمل معتز محمود؛ الطالب بأكاديمية طيبة، في مقهى بشارع الهرم في القاهرة؛ للتخفيف عن والده الموظف البسيط، وتوفير احتياجاته اليومية؛ فينشغل بالعمل، أما الدراسة فلها نصيب إن بقي من الوقت متسع. ولا يخفي شعوره بالإهانة في كثير من الأحيان، مما يؤثر سلبا على نفسيته ودافعيته.
أما طالبة الإعلام المقدسية سمر السعو، التي تدرس في جامعة القدس بفلسطين، فتعمل مرشدة لمجموعة من الأطفال في مؤسسة داخلية، ومنذ أكثر من خمس سنوات، تنقلت في العمل بأكثر من مجال لتتمكن من دفع أقساط الجامعة، واضطرت لتأجيل سنة دراسية حتى تتمكن من توفير أقساط الفصول الدراسية القادمة. وتقول: "في البداية واجهت صعوبة في إقناع عائلتي بعملي المسائي؛ لخوفهم من المجتمع وكلام الناس".
وبالنسبة لمثقال حسون؛ طالب المحاسبة في جامعة النجاح الوطنية بنابلس في فلسطين، فقد بدأ العمل في مجال تركيب كاميرات المراقبة وصيانتها منذ سنة، ويمارس أعمالا حرة، ساعدته في إيجاد دخل جيد، مكنه من تغطية مصاريفه، ودفع أقساط الجامعة، والتخفيف عن كاهل والديه، ويقول: "لم يقف عملي عائقا أمام دراستي، فقد استطعت التوفيق بينهما. كما ألهمني عملي التفكير في تنفيذ مشروع خاص بي" في مجال تركيب وصيانة الكاميرات.
ويدل هندام حسين الأبيض أنه من صعيد مصر، ويتنقل في العمل كـ"قهوجي" في الكافتيريات والمقاهي، ولكنه يدرس الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، ويقول: "بدأت أعمل منذ كنت في المرحلة الإعدادية، بعد أن أصيب والدي بالعجز نتيجة حادث. ثم عملت في مقاهي القاهرة كعامل نظافة، ومع الوقت تعلمت الصنعة، وأصبحت مسؤولاً عن مقهى". ويتابع بأسف: "قد أخسر تعليمي بسبب عدم قدرتي على التوفيق بينه وبين عملي؛ فما يدخل علي من مال يسد حاجتي، وأرسل جزءا منه لعائلتي".
وتعمل داليا جويحان؛ طالبة اللغة الإنجليزية في جامعة بيرزيت بفلسطين، كمحاسبة في مطعم، وتقول: "اخترت أن أعمل بسبب الملل، ولكن راتبي ساعدني في تغطية مصاريفي، وساهم بدفع جزء من أقساط الجامعة". وقد واجهت صعوبة في بداية عملها في التوفيق بين الدراسة والعمل، فتدنى معدلها التراكمي، لكنها تجاوزت المشكلة بتنظيم وقتها، حيث تقول: "وجدت صعوبة في تقبل المجتمع لعملي كوني فتاة... ولم أسلم من نظرات الشك عند بعض الزميلات".
وإن كانت تجارب الطلبة متشابهة إلى حد كبير، في الجمع بين العمل والعلم، تفاجئنا صابرين مجدي؛ طالبة الإعلام بجامعة المنوفية في مصر، بأنها بدأت عملها كصحفية منذ أربع سنوات، وتنقلت بين أكثر من مجلة وجريدة، وتؤكد أنها لم تتقاض أي أموال لقاء عملها، وأن عزاءها الوحيد تمثل في اكتساب الخبرة العملية، خاصة وأنها تحب العمل الصحفي أساسا، ولأن "لكل مجتهد نصيب" كما تقول، فازت صابرين بجائزة التميز الصحفي من مؤسسة عالم واحد للتنمية ورعاية المجتمع المدني، وتذكر صابرين أن العمل أثر سلبا على دراستها، حيث كانت تتغيب عن محاضراتها لتلبية نداء عملها التطوعي.
لقد عبرت التجارب السابقة عن واقع معاناة طلبة ثابروا، وخاضوا تجربة المزامنة بين العمل والدراسة. والواقع أن الأسباب التي دفعتهم للعمل تختلف بين واحد وآخر، إلا أن السبب الأكثر حضورا كان حاجتهم الماسة للمال؛ لتغطية مصاريفهم، والمساهمة في سد الأقساط الجامعية التي تثقل كواهل عائلاتهم. تلك الأقساط التي لا تتلاءم مع المستوى المعيشي السيئ لغالبية المواطنين من الطبقة الوسطى، التي باتت تقترب أكثر من حالة الفقر في مصر وفلسطين. وربما تثري تجربة العمل مهاراتهم الحياتية، وتجعلهم يدخلون معترك الحياة، ويتحملون المسؤوليات، لكننا يجب أن نعترف أن سوء أوضاعهم لم يترك لهم رفاهية اختيار العمل الملائم لدراستهم، وفي المحصلة يتم حرمان أغلبهم من نيل المعرفة، وقضاء الوقت اللازم للإبداع والتميز في مجالات تعليمهم.