أن تدرس الصحافة والإعلام في إحدى الجامعات، وتطمح أن تكون لك بصمة في إنشاء بيت لرعاية المسنين ليس أمرا مستغربا، بل على العكس، يمكن أن تجعل من هذا التخصص منبرا للتقريب بين كافة أفراد المجتمع وهذه الفئة التي لا بد وأن تتغير وجهة نظرنا عنهم؛ فنحن نتعامل معهم من منظور الشفقة، وليس من منطلق إنساني وأحيانا نقسو عليهم متناسين عطاءهم اللامحدود.
في التطوع حياة
أسهم غياب ثقافة التطوع بين صفوف الشباب الفلسطيني بشكل أو بآخر في استهجان فكرة أن تكون مع هؤلاء الناس، الذين، بكل أسف، يدفعون ثمن كبر سنهم، ونادرا ما تسمع عن طالب تطوع في أحدى مراكز"دور العجزة" كما يسمونها. ومن المحزن أنه لم يعد للتطوع قيمته التي كان عليها، فما بالكم عندما يتعلق الأمر بوجودنا مع المسنين وتفاعلنا معهم في مكان واحد؟
إذن.. من المسؤول؟
هل هي طبيعة التنشئه التي تلعب دورا في نفس الفرد وحبه لعمل الخير؟ أم إنها الجامعات التي باتت تنظم حملات توعوية في جوانب مختلفة، بعيدا عن الاهتمام بهذا المجال؟ وأخيرا ما هو دور المؤسسات الأهلية في دعم مثل هذه القضايا ورصد أهم ما تعانيه بيوت العجزة من نقص في كادرالتمريض والأدوات الطبية المختلفة؟ جميعها أسئلة تراودني، فهل من إجابة لها؟
لأكون صادقة وليس من من باب التنظير، أود أن أؤكد بأني زرت مركزا واحدا لرعاية المسنين. وفي الحقيقة كان من أفضل ما يكون من حيث النظافة والاهتمام والرعاية الصحية. ولكن ما لاحظته هو وجود عدد ليس بالقليل من كبار السن، وفي المقابل عدد غير كاف من طاقم الممرضين. ومن هنا تأتي أهمية التركيز على ضرورة التطوع في مثل هذه البيوت ليخف العبء عليهم. وكذلك الأمر بالنسبة للتمويل؛ إذ إن معظم هذه المراكز ما لم يكن ملكية خاصة، فإنها تعتمد في الأساس على التبرعات لتوفير جميع الإمكانيات التي تحتاجها هذه الفئة.
بعيدا عن الجانب التقليدي للموضوع، وقريبا إلى ما أحب وأسعد به، ألا وهو وجودي معهم، حيث إن إحدى قريباتي تم نقلها إلى مركز في إحدى محافظات الوطن بعد أن تعرضت لجلطة دماغية حالت دون قدرتها على تحريك نصفها الأيمن. حيث تم توفير العلاج الطبيعي لها، والتدريب اليومي. أما أنا في الوقت الذي كنت أزورها فيه، فقد هممت بمقابلة من هم أقل حظا منا، من تركوا محاصرين في المجهول، ومن يعيشون على أمل لقاء أولادهم المغتربين الذين لا يسأل أغلبهم عنهم حسب ما أكد لي القائمون على دار الرعاية.
وعند دخولك من الباب لن تهرب من نظراتهم المندهشه بأن هناك شخصا جديدا في المنطقة، هناك من يريد التحدث معك. إنه شعور الإنسانية الذي لا يلبث وأن يعتريك في تلك اللحظة.
لأنهم يستحقون
في بداية المقال كنت قد ذكرت أنني أدرس الإعلام، وبعد هذه التجربة الشخصية أدركت أهمية التخصص الذي اخترته حيث سأكرسه لخدمة هذه الفئة في المستقبل القريب. وهذه بعض الاقتراحات التي من شأنها أن تساهم في إعادة النظر إلى أن التطوع مع كبير السن ليس أمرا مخيفا، ولا يقتصر فقط على الممرض؛ فمثلا يمكن أن تبعث الجامعات مجموعات طلابية لمختلف دور رعاية المسنين بين فترة وأخرى؛ للمساعدة في مختلف الأنشطة الترفيهية لهم.ومن الممكن للمدارس الحكومية والخاصة أن تجمع مبالغ رمزية تتبرع بها، أو تشتر لوازم أساسية لهم. أما على الصعيد الإعلامي فنستطيع أن نؤسس حملات دعائية لهذه المراكز بطريقة إبداعية على مواقع التواصل الاجتماعي، بحيث نقرب الناس لهم، ونشعرهم أنهم ليسوا وحيدين في هذا العالم.
لأنهم منا وفينا وجب علينا أن نسعدهم