غديرمنصور/ رام الله
ربما يبدو موقفا مثيرا للسخرية والاستهجان أن تطلب الفتاة رجلا للزواج. ولما كان الأمر كذلك فلنفكر سويا بهذه المفارقة؛ إذا كان حق المبادرة بطلب الزواج حكرا على الرجل والفتاة طرف تابع إما أن يرفض أو يقبل، أي أن لها الحرية في الرد لا المبادرة بالاختيار وهي في هذه المسألة مفعول به، فلنسأل إذن ما الذي يبرر نقد المجتمع لفتاة لم يقع عليها اختيار ذكر ما، أو رفضت الزواج ممن لم تجد فيه الرجل المناسب، أو لم يبادر الرجل المناسب لطلب الزواج منها؟!
يتحدثن من رام الله
تقول إيمان عبد الله: "أنا أحلم بالارتباط، وهذا شيء طبيعي، لكن لم يطلبني أحد للزواج، ورغم أن عمري حاليا لا يتجاوز 26عاما، إلا أن أسفي لعدم الزواج لا يقارن مع أسفي من كلام الناس، وإن لم يكن مباشرا، يكفي أن تقول لي إحداهن هل أنت متزوجة، ثم تتبعها بعبارات مثل"يلا الله يبعتلك"، "الله يستر عليك"،"يلا معلش".. وهي عبارات تشعرني بأنني في مصيبة وأنتظر من يواسيني".
أما آية أمجد فعلقت قائلة: "عمري الآن 33 عاما، وقد طلبني كثيرون للزواج لكني رفضت؛ لأنني لم أجد في أي منهم الشخص الذي أتمناه". وتتابع: "كل فتاة تتمنى مواصفات معينة في شريك عمرها، ورغم أن رفضي كان لأسباب مقنعة، إلا أن المجتمع لم يعفني من النقد بعبارات مثل:"مش عاجبها العجب"،"بدها واحد تفصيل"، "فاتها القطار"، و"آخرتها بتندم".
وهذا ما قالته إيناس سامي: "أشعر بالخوف من أن يتأخر زواجي أكثر، بل أصبح الموضوع يشكل هاجسا بالنسبة لي بعد أن تزوج أغلب صديقاتي. ومع أن عمري 23 عاما فقط، إلا أنني أشعر بأن قطار الزواج فاتني. ويكفي أن تقول لي أمي أو إحدى قريباتي إن لصديقاتي أولادا يمشون في الشارع حتى أشعر بالنقص".
خلاصة السيرة
الأولى لم يخترها الزواج، فعانت من ضغط المجتمع عليها في شكل مواساة. والثانية اختارت أن ترفض الزواج دون قناعة بمن ستتزوجه، ودون أن تلغي وعيها، فحاصروها باللوم. أما الثالثة فكانت صديقاتها اللواتي في عمرها مع أولادهن مشهدا كافيا ليربك أفكارها بين ما تشعر وتنتظر. ومهما اختلفت الأسباب وتنوعت المبررات، يمكن أن نحصر الجدل إذا ما ركزنا على أن الموضوع تختصره ثنائية خلل في نظرة الفتاة لذاتها من جهة، وفي نظرة المجتمع للفتاة من جهة أخرى. ولتوضيح المقصد بشكل أدق، كان لابد أن نأخذ بآراء أهل التحليل الاجتماعي والنفسي.
رأي وتحليل
توضح الدكتورة نداء أبو عواد، أستاذة علم الاجتماع، أن العنوسة توصيف غير دقيق لوضع المرأة الفلسطينية، إذ لا يجب أن نحدد مكانة المرأة ودورها في المجتمع بناء على حالتها الزوجية، بل حسب دورها في المجتمع وفعاليتها. كما إن قضية الزواج كانت مهمة عندما كانت المرأة تعتمد اقتصاديا على العائلة، وحين كانت أمية وجاهلة، أما حاليا فقد أصبحت تعمل وتتعلم ومستقلة اقتصاديا، وهي قادرة على الاستمرار؛ متزوجة أم لا، وتقول: "الفتاة أحيانا لا تتزوج لأسباب تخصها؛ كعدم تقبلها للرجال الذين تقدموا لخطبتها، ولكن هذا ليس مبررا للتقليل من قيمتها بمقارنتها مع الأخريات".
أبعاد نفسية
أما الدكتور موريس بقلة؛ أستاذ علم النفس، فيرى أن هاجس الزواج سببه البيئة المحيطة، ويبرز العوامل التي تزيد من الإحساس بتأخر سن الزواج؛ مثل مكان السكن، والثقافة السائدة. ومقابل ذلك هناك عوامل تقلل من ذلك الإحساس؛ كالوعي، والتعليم الجامعي، والتعليم العالي. أما المصادر الأساسية للشعور بالضغط، فتتمثل بالعائلة النووية. ولكن والضغط الأكبر تمارسه العائلة الممتدة والبيئة المحيطة؛ فعندما تتزوج إحدى قريبات الفتاة، خاصة إذا كانت أصغر منها سنا، يزداد الضغط عليها بالمقارنة والاستفزاز، وإشعارها بالنقص ولو بشكل غير مباشر.
هذا الهاجس يتحول إلى ما يسمى "السيكوسومانية"، وهي أعراض جسمية منشأها النفس؛ كالقرحة، والطفح الجلدي، والشقيقة، ويقول: "تلجأ البنت إلى الحيل الدفاعية كأن تقول: أنا لا أفكر بالارتباط، وأريد أن أكمل تعليمي العالي. أو تذكر أن الوضع الاقتصادي للشباب يؤدي إلى عزوفهم عن الزواج، كما إنها قد تلجأ إلى الإنكار، فتقول: لم يتأخر زواجي، ولازالت الحياة أمامي، وشباب اليوم لا يتحملون المسؤولية، وأنا أبحث عن شخص ناضج يتحمل مسؤولية بناء أسرة. وأحيانا أخرى تلجأ إلى التسامي؛ أي تعلي من شأنها، وتعبر عن نفسها بطرق تعوض شعورها بالنقص؛ فتمارس الرسم أو الرقص أو الرياضة، وترتاد المقاهي".
كبيرة كانت أم صغيرة، متزوجة أم عازبة، ستبقى قيمة المرأة رهنا بنظرتها وتقديرها لذاتها أولا، بغض النظر عن التوصيفات المجتمعية لمن تأخر سن زواجها. ولكن الأجدر أن يكون حكمنا منطقيا لا اتهاما، وأن يعلو صوت العقل على النقل لما هو عادة مجتمعية أو حكم جزاف.
ونختم بما كتبته أحلام مستغانمي: "لا أحد يخير وردة بين الذبول على غصنها أو في مزهرية، العنوسة قضية نسبية.بإمكان فتاة أن تتزوج وتنجب وتبقى رغم ذلك في أعماقها عانسا، وردة تتساقط أوراقها في بيت الزوجية".