أمجد ياغي يلتقي بوالدته لأول مرة بعد 20 عاماً

2020-03-11 08:54:02

سها سكر/ غزة

"فجأة بتصير بطل كل الفيديوهات اللي بتشوفها، وقصتك هي الأقوى، لأنه أمك اللي بينك وبينها ساعات كنت محتاج ٢٠ سنة لحتى تشوفها" يقول أمجد ياغي. المدينة وأسوارها وقانونها وحصارها واحتلالها لن يمنعوا الابن من حب أمه، تبقى الأم أما بحنانها ولهفتها على أولادها مهما أبعدتها السنين.

أمجد ياغي 29عاما، صحفيا فلسطينيا من قطاع غزة، متميز في مجال عمله، أجرى عدة تحقيقات استقصائية منها ما يتعلق بقضايا الفساد وغيرها من القضايا الحساسة، وعمل مراسلا لعدة صحف ومجلات عربية، ومعلق صوتيات، كما حصل على ثلاث جوائز على مستوى فلسطين، وتوّج بالمركز الثالث مرتين في مسابقتين عن الرقابة على العدالة وحقوق الإنسان، ونال المركز الأول عن مسابقة أفضل مادة تتحدث عن العنف ضد المرأة في فلسطين.

ولكن ياغي يتحول اليوم من صانع للقصص الصحفية إلى القصة نفسها، بدأت القصة عندما غادرت والدته قطاع غزة في رحلة علاج إلى مصر الشقيقة، عندما كان طفلا لا يتجاوز 9 أعوام، لم يكن يعلم حينها أنه سيحرم من رؤيتها مدى الحياة لوجوده في قطاع غزة المحاصر هو وأخوته الخمسة، الأخت الكبرى أمل 31 عاما، وآلاء 30 عاما، ويوسف 26 عاما، وأحمد 22 عاما، أما الأخت الصغرى آية فعمرها 21 عاما حرمت من والدتها وهي لا تتجاوز العام، أي ألم هذا؟!

حاول ياغي عشرات المرات لقاء والدته التي غادرت قطاع غزة عام 1999، ولكن جميع محاولاته باءت بالفشل، فهو لم يترك أي بصيص أمل ليحقق حلمه برؤية والدته ولو لساعة، يقول ياغي: "حاولت كثير أوصلها قبل فترة حكم مرسي وبعدها وخلال فترة حكم السيسي .. صعب أطلع على المعبر بشكل منتظم، كان المعبر يفتح كل شهر 3 أيام وأسباب الرفض كثيرة"، مشيرا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يفرض قيوداً على حركة الفلسطينيين داخل وخارج غزة، ويسمح لأشخاص معينين بالمرور عبر معبر رفح البري، فالأولوية للحالات الإنسانية ولأصحاب الإقامة الطلاب والمرضى، وحالة ياغي من وجهة نظر الإحتلال ليست حاجة ماسة أو حالة إنسانية.. ربما هي كذلك أن لا يرى شاب والدته لمدة 20 عاما هي حالة تتخطى حدود التوصيف والتصنيف، هي جريمة بشعة بحق قلوب هدها الحنين!

وعلى الرغم من الفرص الكثيرة التي كانت تدعوه للسفر خارج القطاع، لحضور العديد من المؤتمرات والدورات التدريبية وورش العمل ما بين الأردن والدول الأوربية وأمريكا، فإن ياغي لم يستطع لقاءها نتيجة إغلاق المعبر المتكررة، والحصار الإسرائيلي والقيود المفروضة على حركة التنقل والسفر من قطاع غزة إلى الخارج. 

يقول ياغي:" كان نفسي أستغل أي فرصة لحضور أي دورة أو مؤتمر عشان أحاول أشوف أمي خاصة وإنها هلأ مريضة وكبيرة بالسن ما بتقدر ترجع على غزة".

كانت أول طريقة للتواصل بين الصحفي أمجد ياغي ووالدته نفين زهير بعد 10 سنوات، من خلال مكالمة هاتفية أجرتها والدته أثناء الحرب الأولى على قطاع غزة عام 2009، حيث يقول:"كنت مصدوم لما سمعت صوتها  بعد 10 سنين، أول مرة سكرت الجوال ما تحملت".

ويتابع: "للأسف نظرات المجتمع سلبية تجاه أبناء المطلقة، بس إحنا لما كبرنا فهمنا وعرفنا إنه في ظروف أكبر منها أجبرتها على الانفصال".

لا يدري مجتمعنا التقليدي بخبايا النفوس ويكتفي بالحكم من الخارج وضمن تصنيفات عفى عليها الزمن، لا يعلم بأن الأمهات يتركن قطعة من قلوبهن حين تجبرهن الحياة على الابتعاد عن أبنائهن بسبب ظروف صعبة وقاسية، إلا أنها ظروف جعلت من ياغي شاب ذو شخصية قوية ومميزة على المستوى الشخصي والعملي، ولم يستسلم للفراغ والألم النفسي، وأختار أن يثابر ويحاول كثيرا للقاء والدته ويجعلها تفخر به.

وأخيراً حصل ياغي على تأشيرة لدخول مصر عبر الأردن، عندما وصلته دعوة لحضور مؤتمر أريج في عمان 2019، كان مصمما هذه المرة بعد 14 محاولة أن يسافر ويرى والدته، سافر رغم صعوبات عدم ممانعة دخول الأراضي الأردنية، وأقام بعمان 10 أيام وزاد فترة الذهاب والعودة (تذكرة الطيارة).

أجرى ياغي عشرات الاتصالات بشخصيات مهمة حتى لا يتم ترحيله إلى معبر رفح البري بعد عودته، وأن يتم إعطاؤه 72 ساعة فقط ، كانت المحطة الأخيرة في السفارة المصرية بعمان، هنا حدثت الصدمة بطلب السفارة الأوراق الثبوتية والجنسية المصرية والهوية المصرية لوالدته، يقول ياغي:" كان معي نسخة من الأوراق على أساس ببعتلها فلوس، توجهت للسفارة وطلبت مني أختم شهادة الميلاد من السفارة الفلسطينية في عمان ومن الخارجية الأردنية بحكم إنه أورق فلسطين غير معتمدة وعملوا لي شهادة ميلاد جديدة من السفارة".

ويضيف:"أنا محتاج أم محتاج حد جنبي، عندي أسرة عندي بيت في غزة عندي قرايب كلهم طيبين لكن الأم غير ما في حد بسد مكانها خاصة في بلد بعيش تحت احتلال الأم هي الآمان النفسي وسط كل هالخراب".

لحسن الحظ حصل ياغي  بنفس اليوم على تأشيرة زيارة  لكون والدته مصرية، صدمته كانت كبيرة وهو يرى شريط حياته والصعوبات التي مر بها أمام عيناهاختلط في نفسه ألف شعور وغلب عليها شعوره بأنه وصل بعد كل هذه المعاناة وأنه لا يحلم، وبدأ يخطط  للقاء ويتخيل الموقف وكيف سيرتمي في احضانها بعد كل هذه السنين وبأنه عناقها ربما سيعوض كل اللحظات التي افتقدها فيها في كل مراحل عمره، حتما هو شوق كبير لا يوصف، فنحن دوما نحن لمنبتنا لأصلنا لجذرنا لأمهاتنا اللواتي أتين بنا إلى الحياة!

وتوجه إلى شقة والدته دون علمها في مدينة بنها بدلتا النيل 2 ديسمبر2019، كانت لأول مرة تراه والدته من على شرفة المنزل وهي تنادي باشتياق لابنها: "أمجد يا حبيبي أمجد أنا عرفت والله عرفت يا قلب أمك عرفت قلبي حس، بعد 20 سنة يا ناس يا نور عيني يا ماما"، وهبطت الدرج سريعاً لتلقي بابنها أسفل البناية وتحتضنه، هنيئا لها انتصرت اليوم على حزنها وشوقها بعد عشرون عاما.

وسط أمنيات بحل مشاكل سفر الفلسطينيين تقول والدته نفين زهير: "أتمنى ينظروا للشعب الفلسطيني كأي بني آدمين، أنا بطلب يسهلوا حياتنا انحرمت من عيالي 20 سنة في أكثر من هيك وجع".

عشرون عاما صنعن من أمجد رجلا ترك المدينة ورحل خلف أمه، كسر أنف القانون بعد أن اجتاز السن القانوني، السن الذي يجعله محتاج لحضن أمه أكثر من أي شيء آخر، قام أمجد بهذه الخطوة ليطمئن كل الأمهات بأن الابن مهما كبر سيظل طفلا يبحث عن حضنها، وهو أيضا ذاك الرجل الشهم الذي يتحدى العالم والظروف لأجلها.

- الصور من الإنترنت

اخترنا لكم
عماد ابو الفتوح عندما عرفت أن الرواية القا...
سلمى أمين هل تمنّيت يومًا أن تتحدّث أكثر م...
 هند الجندي ينظر معظم الناس للأذكياء...
لينا العطّار/  اخترنا لكم من اراجيك...
بقلم: تركي المالكي الحياة مليئة بالجمال وا...
اخترنا لكم هدى قضاض- اراجيك  يعد ا...
منوعات
نغم كراجه/غزة يواجه الشباب صعوبة في إيجاد...
رغد السقا/غزة يمر ذوي الإعاقة بظروف نفسية...
سها سكر/غزة "لا تحسَبِ المجدَ تمرًا أ...
نغم كراجة/غزة "أمي لم تفِ بوعدها، أخب...
إسراء صلاح/غزة هنا غزة المدينة المنكوب...
عرين سنقرط/القدس ربما قطار الفرح في مدينتي...