إرفعوا أيديكم عن وداد

2018-10-15 12:53:01

سوزان الطريفي/ رام الله،

في تموز عام 1985 كانت الكارثة!؛ بالتزامن وولادة وداد البرغوثي  في كنف أسرٍة مزارعة في قرية كوبر، ووالد  أسير محكوٌم  لمدة 15 عامًا، لكن ميلادها  قتل الأمل، وحكم على العائلة أبديًا أن تكون دونما أولاٍد ذكور. فماذا حصدت هذه الكارثة؟

قضيت طفولتي في جٍو حزين، ووجوٍد غير مرغوٍب فيه، وهذا ما تأثرت به في مراحل مبكرة؛ إذ كنت أتساءل لماذا؟ وما المشكلة في الأنثى ؟! وازداد الأمر سوءًا في كل مرة أنزل فيها القرية، ليكون السؤال "بنت مين إنت يا شاطرة؟، أنا بنت عادل، آه عادل الي في السجن، حرام لو جيت ولد" وهذه هي الجملة التي لن أنساها أبدًا.

بدأت دراستي في مدرسة كوبر الإبتدائية، وخرج والدي وأنا في الصف الثامن بعد أن أتم ثمناية أعوام في السجن، وكان ذلك  بعد صدور عفٍو ملكي عن الأسرى في السجون الأردنية.  وبعد الصف السادس انتقلت إلى مدرسة البيرة الثانوية وبهذا أكون الأنثى الثانية التي تخرج من القرية لإكمال تعليمها؛ إذ كان خروج البنت من القرية غير مألوف، لكن بدعم والدي ومساندته تمكنت من إكمال تعليمي، إلا أن اعتقالهُ شكل في حياتي السؤال الثاني لماذا اعتقل؟، والأول لماذا لا يحبون الأنثى؟ ليشكلا  هذان السؤالان مفصلان مهمان في حياتي؛ جعلاني لاحقًا أهتم بقضايا المرأة من جهة، والإتجاه الثاني نحو الوطن، وماذا يعني الوطن؟ وماذا يعني السجن ؟ وكل هذه الأمور.

رأيت الوطن وما حل به، وأنا هذه  الطفلة لم تكمل عامها التاسع بعد، وحرب عام 1967 ظنناها حربًا قصيرة وسنعود بعدها لبيوتنا، ذهبنا إلى الكهوف للاختباء وكنا آنذاك فرحين؛ إذ اعتقدنا  بأحلامنا الطفولية  أن الناس سيرحلون، سنسافر ربما لبيت عمي في الكويت، ولكن صدمت بموقف والدي المغاير تمامًا حين رأى الشباب يرحلون ويتجهون نحو السفر، إذ حاول منعهم  مراٍت كثيرة، وما لا يغيب عن ذاكرتي مشهد عمي حين جاء إلى والدي وأخبره أن الناس تتجه نحو الأردن ليرد والدي: "رح نظل حتى لو هدو البيوت على روسنا" إذ  لم يرغب بإعادة مشهد حرب عام 1948.

مرت الأيام، وأصبحت في الصف الثالث ثانوي، بالتزامن ووقوع حدٍث كبير على الساحة الفلسطينية؛ ألا وهو  استشهاد ثلاثة قادة، فيما خرج المتظاهرون، وعمت الإضرابات، أذكر حينها وجودي في الصف أنا وبعض الزميلات وكان يعج بالفوضى لتدخل مربية الصف وتوبخنا، وقالت ما لا أستطيع نسيانه، وما أشعل فيَّ حب الوطن والثورة؛ وبهذا بت أشارك في كل حدث؛ ففي عام 1973 حصلت حملة اعتقالات واسعة وكان والدي أحدهم؛ إذ حضر جنود الإحتلال إلى المنزل بحثًا عن والدي الذي كان يعمل حارسًا ليليًا للمدرسة، وفي صباح اليوم التالي نشر في الجرائد عن إبعاد عدٍد من رفاق والدي وكان من بين الأسماء التي لم تعتقل، ألا انه طُلب للاعتقال وبقي مطاردًا لمدة  ثلاثة أعوام، وبعدها قبض عليه واعتقل إداريا لمدة عامين؛ هذه المراحل مجتمعة كانت مفصلية وفيها من الدروس والعبر ما يكفي.

في الثانوية العامة خرجنا في مظاهرة واعتقلَ عدد كبير وكنت أنا من بينهم، عوقبنا بالوقوف على الحائط ورفع أيدينا وضرب رؤوسنا، والشتم علينا، وبعد التحقيق معنا تم تسجيل غرائم كبيرة حلت على الجميع، أخذها البقية وعادوا إلى  البيت باستثناء أنا  وصديٍق لي؛ فقد رفضنا الغرامة وأخبرناهم عن سعادة الأهل بحبسنا وتوفير لقمة العيش عليهم! بقينا في المركز إلى أن جاء الضابط الدرزي وقال لنا: "إذا إنتو حابين تنحبسو إحنا ما بدنا نحبسكم جكر فيكم" كان موقفنا متعمد لأنهم كانوا يستغلون هذه المواقف للاستفادة منها قدر الإمكان.

أنهيت الثانوية العامة عام 1987، وكان من المفترض أن أخرج أنا وقريبي لتعلم الصحافة في موسكو، لكنه سجن لدى الإحتلال وحكم عليه سبعة أعوام، فما كان لي إلا أن ذهبت وحدي، وبهذا بدأت رحلة تعلم  بكالوريس الصحافة، حيث لغة مختلفة، طقس مختلف، و ثقافة مختلفة، غريبة أنا في بلٍد لا أعرف فيها أحد، كنت قلقة في البداية، خائفة على قريتي وما يحصل فيها، لكنني تحملت وتحديت، وكان الخوف من انتظار من يريد أن يرى فشل التجربة الأولى؛ الذي تمثل في بخروج أنثى لإكمال تعليمها ليكون أقوى من كل ما واجهت. عدت في زيارة للأهل عام 1980 وعدت لأخرى ثانية عام 1982 لكن عند عودتي لموسكو منعت من السفر وتم تقديم إبلاغ بحقي، وذهبت للتحقيق ولبثت خمسة أيام  أُسأل عن ذهابنا لتضامن ضد قيام إسرائيل عام 1981 بالتهديد باجتياح لبنان، رأيت أثناء التحقيق ما رأيت من أساليب بشعة منها استخدام جهاز كشف الكذب، وكانت الزنزانة في نهاية ساحة يوجد فيها أسرى مشبوحون وعلى رؤوسهم أكياس نتنة، مقيدون بأيديهم وأرجلهم، وأذكر من بينهم وزير الأسرى الحالي عيسى قراقع ومعي في الغرفة من أصبحت زوجته خولة الأزرق. وكانت هذه التجربة غنية وفيها عرفنا مدى الوعي والثقافة، والتحصين الذي حاولنا إدراكه من الكتب والنشاطات الطلابية.

بعد حرمان عاٍم من السفر عدت إلى الجامعة لإكمال تعليمي؛ إذ كنت في ستني الدراسية الرابعة، لكنني شاهدت ما لم أكن أتوقعه؛ فخلال هذه السنة كان دعم الأصدقاء كبير ومنه فوجئت بوجود لافتاٍت وشعارات على جدران الكلية ومن أبرزها "إرفعوا أيديكم عن وداد" وموقف الإتحاد العام لطلبة فلسطين، والإتحاد الوطني لطلبة الأردن، وبهذا الدعم تمكنت من اجتياز كل ما ضاع في هذه السنة، ولحقت بزملاء السنة الخامسة، ولم تحرمني هذه السنة أي شيء.

أنهيت البكالوريوس في الصحافة من جامعة موسكو عام 1985 التي التحقت بها لاحقًا، وحصلت على الماجستير، والدكتوراه أيضا في ذات التخصص  لأعود بعد ذلك لأرض الوطن، وبالتزامن مع عودتي كان قريبي  قد أنهى أعوامه السبعة في سجون الإحتلال، وبعد مرور عامين تقرر موعد زفافي من قريبي بتاريخ 12/6/1987.

بقي أسبوع على زفافنا وكأي عريسين من المفترض أن خرج إلى السوق لشراء لوازم الفرح، وكانت حينها مظاهرة ذكرى الخامس من  حزيران، شاركنا فيها، ولكثرة الغاز لم نستطع فتح أعيننا، وعدنا أدراجنا دون شراء شيء، حلت ليلة الزفاف، والبيت يعج بالضيوف والحضور، باستثناء العريس والعروس فقد ذهبنا أنا وزوجي لحضور تأبين شهيد وقع ضحية التعذيب في السجون.

بعد مرور عاٍم على زواجنا رزقنا بمولودنا الأول وأسميته كرمل حبًا بجبل الكرمل الذي قنا نقف عليه حين كنا نذهب لزيارة والدي في سجن الجلمة عام 1972، وفي تاريٍخ لا أنسى أيًا من  تفاصيله 14/10/ 1988 إذ كان زوجي مُطارد وطالت القرية حملة اعتقالات كبيرة، وفي صباح هذا اليوم كنا نستعد للخروج لقطف الزيتون الذي كان موسمه السنوي وكنا آنذاك في البيت؛ أنا وطفلي، وحماتي التي تعاني من مشاكل في القلب وسلفتي الحامل في شهرها السادس، جاء خمسة جنود للمنزل بحثًا عن زوجي ولم يجدوه وبعدها طلبوا مني مسح الشعارات التي كنا قد كتبناها على جدران المنزل في ذكرى صبرا وشاتيلا، رفضت  مسحها، وهموا بتكسير زجاج المنزل وقال لي أحدهم "تطلعي تمسحي ولا نكمل شغل" أجبت "كمل شغلك" بعدها أخرج من جيبه قنبلة وقبل سحبها، وبالرغم من صعوبة الموقف شعرت أنني الأقوى التي ستمنع هذا الحدث، وقبل سحب الحلقة دفعت الجندي إلى الخارج ووقعت القنبلة من يده وقبيل انفجارها وبعده لم أدري من أين  بدأ الضرب يتهافت فوق رأسي، وحاولت حماتي الدفاع عني خوفًا على عمليتي  الجراحية إلا أنه دفعها أرضًا وبعدها خلع أحدهم الخوذة وضربني على رأسي و فقدت على إثرها الوعي، وكنت معرضة لفقدان الذاكرة، أكملت حياتي، وبقي زوجي مطارد لمدة  ثلاثة أعوام واعتقل عام 1991 وأمضى عامين في السجن.

وبعد سنتين  رزقنا المولود الثاني واسميته قسام حبًا وتعلقًا بعز الدين القسام عاش القسام ستة أشهر أمضاها في مشفى المقاصد لوضعه الصحي، وشبت تلك الفترة الإنتفاضة الأولى والمشفى مليئٌ بالإصابات والكثير من القصص، وأنا استغليت هذه الفترة وكنت على تواصل مع عملي وترجمت كتاب من الروسية إلى العربية، توفي قسام ورزقت مولودًا  جديدًا أسميته أيضا قسام.

تنقلت في عملي الصحفي ضمن  أكثر من مكان مستفيدة بخبرٍة جديدة من كل موقع، وأول عمٍل لي كان في جريدة الميثاق في القدس التي أغلقت لاحقًا من الاحتلال، لكنني فصلتُ منها قبل إغلاقها لنشري تحقيق حول النساء في منطقة الجفتلك التي كانت معرضة لطرد سكانها منها. بعدها انتقلت للعمل في الكلية العصرية التي فصلت منها أيضا لعدم القبول ببعض شروط الكلية، وعملت في جريدة النسوية واتلي استقلت منها بعد ثلاث سنوات؛ لاعتمادها على التمويل الأجنبي الذي لا زلت مقتنعة أن له ثمن، وتنقلت بين العمل الصحفي المكتبي والميداني، وفي عام 2000 أصبح لي مكتبي الخاص أعمل به، وحينها التقيت بزميٍل لي عرض علي العمل في جامعة بيرزيت كأستاذة، وتم الاتفاق، وبهذا باشرت العمل في الجامعة ولا أزال للآن.

مضت أيام عملي في الجامعة وفيها الكثير من الذكريات والحب، والطلبة المليئين بالطاقة، وأصبحت أنا وزوجي مع قسام وكرمل نكبر في بيئة لا تختلف كثيرًا عما تربينا عليه، وشربا منا حب الوطن والدفاع عنه، ولا زلت أردد عبارتي "الإحتلال خلق ثأر شخصي مع كل فرد فلسطيني" إذ اعتقل قسام مرتين وكرمل مرة والإحتلال جزء من حياتي وذكرياتي.

35 عام منها 18 عام في مواقع مختلفة من الصحافة، و17 عام من التدريس في جامعة بيرزيت كفيلة أن تجعل  وداد البرغوثي مثالًا يحتذى به، ونموذجًا يقتدى به؛ ففي كل بيت طفلة، وصبية، وامرأة فلسطينية ترى الإحتلال كل يوٍم أمامها، لكن وداد كبُرت لتكون ابنة أسير ثم زوجة أسير وأخيرا وليس أخيرا أم  أسير، إلا أنها اختارت أن  تكمل ما حلمت به؛ فهي ليست الكارثة كما وصفوها، وشعارنا إرفعوا أيديكم عن نساء فلسطين، إرفعوا أيديكم عن وداد.

 

- الصورة للأستاذه وداد من الإنترنت.

اخترنا لكم
عماد ابو الفتوح عندما عرفت أن الرواية القا...
سلمى أمين هل تمنّيت يومًا أن تتحدّث أكثر م...
 هند الجندي ينظر معظم الناس للأذكياء...
لينا العطّار/  اخترنا لكم من اراجيك...
بقلم: تركي المالكي الحياة مليئة بالجمال وا...
اخترنا لكم هدى قضاض- اراجيك  يعد ا...
منوعات
نغم كراجه/غزة يواجه الشباب صعوبة في إيجاد...
رغد السقا/غزة يمر ذوي الإعاقة بظروف نفسية...
سها سكر/غزة "لا تحسَبِ المجدَ تمرًا أ...
نغم كراجة/غزة "أمي لم تفِ بوعدها، أخب...
إسراء صلاح/غزة هنا غزة المدينة المنكوب...
عرين سنقرط/القدس ربما قطار الفرح في مدينتي...