حكمت المصري/ غزة
نستيقظ كل صباح على فاجعة تصيب القطاع، كالقتل، والسرقة، والعثورعلى رضيع ملقى بجوار حاوية. ومن أبرز القضايا وأشدها إيلاما ووقعا على وجدان الكثيرين، حادثة اغتصاب شاب لطفلة لم تتجاوز الثامنة من عمرها.
ما إن نسمع عن هكذا حادثة حتى تبدأ محاولة خلق الأعذار لهذا العمل المجرد من الإنسانية، ونلقي بوزر فعل الاغتصاب على الوضع الاقتصادي القاسي، ونطلق شعارات أن الشاب قاصر، ولكن حين يتحول الموضوع بتزويج هذا القاصر؛ نصنفه "رجلا كاملا".
يجب ألا ندع مجالا للشك أن الظروف المجتمعية هي السبب لمثل هذا الجرم، وأن هذه الحوادث ليست جديدة؛ فقد شهد قطاع غزة العديد من حالات الاغتصاب التي أعلن عنها، سواء من قتل المغتصب للأطفال الذين يعتدي عليهم، أو تلك التي تم إخفاؤها خوفا من الفضيحة، وزنا المحارم.
وسأذكر بعض الحوادث التي نشرت في وقت سابق، ففي عام 1999 أقدم عقيد على اغتصاب طفل في السادسة، وتم إعدامه بقرار من الرئيس الراحل ياسر عرفات عقب هبة جماهيرية، وفي عام 2014 قتل عم ابنة أخيه في المنطقة الوسطى، وفي عام 2015 حاول شاب اغتصاب طفلة في بيت حانون هي أخت زوجته، والكثير من القصص التي يرتجف الجسد عند سماعها.
من المؤسف أن المجتمع الفلسطيني الذي يوصف بكونه محافظا، لا يخلو من القضايا والظواهر الاجتماعية التي أقل ما يمكن أن نصفها على أنها قذرة ومخزية. وصحيح أننا لا نعيش في المدينة الفاضلة كما يحاول بعضهم أن يزرع في الأذهان، وأن مثل هذه الحوادث حالات فردية تحدث في كافة دول العالم، إلا أنها في المحصلة تعطي معلومات كثيرة عن طبيعة المشكلات الداخلية التي يعاني منها مجتمعنا، كالكبت الجنسي، وسوء التنشئة الاجتماعية، وغياب الثقافة الجنسية، وإهمال نهج الحوار والمكاشفة بين أفراد الأسرة، وضعف القوانين الرادعة... وغيرها. أي إن في المجتمع العديد من القضايا والإشكاليات التي تحتاج إلى حل جذري، وليس إلى دفن الرؤوس في الرمال مثل النعامة؛ لأن ذلك يمس سلامة المجتمع وأمنه، وربما سنشهد انهيارا داخلياً سنفقد معه السيطرة على المجتمع، لذلك يجب على أصحاب القرار مواجهة تلك الأزمات والقضايا، ومحاسبة المتهم دون تهاون وخذلان، خاصة أنهم يدركون أن الأرقام والنسب الخاصة بهذه الحوادث كبيرة، وغالبا يتم حجبها وتعمية الإعلام عنها بسبب العادات والخوف من الفضيحة، أو تفاقم للمشكلة، وكما يقولون: "بنكون بمشكلة.. بنصير بتنتين"، أو "إذا حكيت.. وين أودي وجهي من الناس"؟! و"إذا حكت بتقطع نصيب خواتها"... الخ. وكلها تحسبات مسبوقة بـ"إذا"، وتبقى النتيجة أننا لم نتكلم، والوضع من سيئ إلى أسوأ؛ لأننا "إذا" تكلمنا لسنا متأكدين بكل الأحوال أن العدالة ستتحقق، وأن الحماية ستتوفر للضحية.
وكي لا نكون معطلين وننتظر مكتوفي الأيدي إلى حين استصدار قوانين رادعة، دعونا؛ كلا من مكانه، نتخذ إجراءاتنا الوقائية من قلب منازلنا ومدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا، والقيام بأدوارنا التربوية والتوعوية، ونؤكد هنا على أهمية دور الأسرة في مراقبة أبنائها ومتابعتهم في البيت والشارع والمدرسة، فهم الثمرة التي سنحاسب عليها، لذلك يجدر بنا ألا نتركهم منذ الصغر، ثم نأتي نبكي على ما فعلوه في الكبر. إن أساس التنشئة الصحيحة هو التربية السليمة، وإلا ما فائدة الصورة الجميلة للمجتمع والسوس ينخر في نواتها الأساس؛ ألا وهي الأسرة؟!