هبة بطة/ نابلس
"أذهب الآن مع مشرفات المشروع، لأستمع للفاقدات، وأحاورهن، ونجري تدريبات وزيارات كثيرة. ذهبت إلى عدة مناطق، بعدما كنت فاقدة، ولكني الآن مانحة، وأمنح الأمل لكل امرأة". قالت وعد بسعادة، وهي من مدينة نابلس، ابنة 45 عاما، التي تجاوزت صدمة فقد ابنها الذي استشهد برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي عام 2003.
ووعد واحدة من فاقدات كثيرات، أصبحن الآن مانحات، ضمن برنامج طويل الأمد، وحصيلة إنجاز امتد 12 عاما، ولا يزال يحقق أهدافه حتى الآن، بإشراف مركز الدراسات النسوية، وبدعم من حكومة السويد، حيث تم علاج كثير من حالات فقد المرأة بسبب الاحتلال الإسرائيلي، على الصعيدين النفسي والاجتماعي، في مناطق نابلس، وجنين، وبيت لحم، ليمتد لاحقا إلى مناطق "ج"، والخليل، والقدس.
وقد تم توثيق الكثير من الحالات لنساء تغير مجرى حياتهن، ليصبحن فاعلات في مجتمعهن. وتطورت مسيرة البرنامج، ليحقق أقصى استفادة ممكنة منه، لهن ولمحيطهن.
ويعرف الفقد في البرنامج على أنه خسارة أي شيء عزيز على النفس، سواء أكان بشريا، أم ماديا؛ كالأرض والبيت والمال وغيرها؛ جراء ممارسات الاحتلال الإسرائيلي المختلفة.
الدعم النفسي والاجتماعي
وتوضح أمل الأحمد؛ مديرة البرنامج، الآلية التي يقوم عليها عمله فتقول: "يقوم البرنامج على الدعم النفسي بالتدخل المباشر والاستماع للفاقدات"، وتضيف: "كنت متعاطفة جدا مع الفاقدات لأني فاقدة، ونحن نعيش في مجتمع فاقد".
أما عن الدور الاجتماعي، فتتابع الأحمد: "نمكن الفاقدة اجتماعيا في أسرتها ومجتمعها، لتصبح قيادية".
الأولى صعبة والأخيرة شاملة
وقد مر البرنامج في أربع مراحل منذ 2002 حتى الآن. وتميز بأنه فريد، والأول من نوعه.
وقد امتدت المرحلتان الأولى والثانية من 2002 حتى 2010، وتم فيهما تسجيل أعلى نسبة انتهاكات وفقد، فتميزت هذه المرحلة الزمنية بالصعوبة، حيث تقول الأحمد: "كانت المرحلة الأولى من أصعب المراحل، بسبب الانتفاضة آنذاك، عدا عن الاجتياحات المكثفة لمدينتي نابلس وجنين، وكم الفقد الهائل"، إضافة أنها كانت بداية إطلاق المشروع، حيث كان البرنامج "ضعيف التخطيط" كما ترى.
أما المرحلة الثالثة فقد امتدت من 2010 إلى 2011، وفيها تم اتباع نهج عالمي: "من فاقدة لفاقدة"، وشكلت نقلة نوعية ومميزة. وتوضح الأحمد هذا النهج فتقول: "تقوم الفاقدة بنقل تجربتها وما تعلمته منها لتدعم فاقدات جددا غيرها، بحيث يتم توثيق حالات الفقد والانتهاكات".
وقد تم العمل في المراحل الثلاث، في محافظات نابلس، وجنين، وبيت لحم. ولم يشمل البرنامج خلالها أي مناطق أخرى.
ومنذ 2011 وحتى 2013، امتدت المرحلة الرابعة، وهي مرحلة بدء التشبيك مع المؤسسات الشريكة. وتمتد المرحلة الخامسة منذ 2014 وحتى الآن، حيث تم خلالها اتباع أسلوب جديد، وتغيير مناطق العمل، لتشمل القدس، والخليل، ومناطق (ج) الأكثر تضررا من الاحتلال.
وتشير الأحمد إلى أنه في كل مرة يتم اتباع إستراتيجية معينة، حسب الظروف المحيطة.
ثلاثية البرنامج
وعن إستراتيجية البرنامج، توضح أنه اعتمد ثلاث إستراتيجيات بعد أن تمت دراستها، وأثبتت أثرا فاعلا على المرأة والمجتمع.
حيث يتم العمل أولا على مستوى الحالات الفردية؛ أي الجلوس مع الحالة وحدها. ومن ثم مستوى العمل الجماعي، وفيها يتم إشراك جميع الفاقدات في التحدث. قبل الوصول إلى المستوى الجماهيري، الذي يتجسد بورشات عمل دورية، ووقائية، للمجتمع ككل.
لماذا النساء؟
والتركيز على النساء واضح، والسبب في ذلك كما تقول الأحمد: "المرأة عماد الأسرة وركيزتها، فإن كانت قوية ومتماسكة، تحافظ على أسرتها، وبالتالي على مجتمعها".
وتضيف: "المرأة هي ضحية الفقد الأولى، وفي مجتمعنا المرأة تتعرض لعنف مجتمعي". وتشير إلى أن البرنامج لم يكن "للنساء فقط"، بل كان يشمل الأسرة في بعض مراحله، إذ "لا يمكن فصل الجزء عن الكل"، كما تقول الأحمد، وتتابع: "المرأة أو الأم هي جزء لا يتجزأ من الأسرة، وعندما كنا نتحدث إليها، كنا نعلم أننا نتحدث مع أسرتها كذلك".
فاقدات... بل مانحات
تقول سناء: "أنا أم أسير محكوم 13 سنة، وعندي ولد جريح، يعاني من الشلل، كنت فاقدة، والآن أنا فاقدة داعمة".
وتشير إلى أخرى وتقول: "هذه زوجة شهيد من المخيم، وأخواها استشهدا، وهي اليوم فاقدة داعمة لغيرها".