حكمت المصري/ غزة
ربما لا يكون صبر الناس على الوضع الراهن في قطاع غزة عيبا، ولكن هذا الصبر يتسم باللين الذي من شأنه أن يوصلنا إلى وضع كارثي لو لم نكن مدركين له؛ فالحالة الفلسطينية تمر بمعيقات هائلة من شتى الجوانب، حيث الحكومة غير قادرةعلى تلبية احتياجات الشعب المقهور، والأحزاب فرقتها الأطماع السياسية والأبواق الخارجية، والمؤسسات غرقت فى بحر المساعدات الأمريكية، والناس أصبحوا يسيرون على نهج "من يتزوج أمي أقل له يا عمي".
لا أعرف ماذا أكتب فى ظل وضع النكبة التي يعيشها المواطنون إلا تلك المقدمة السخيفة، ولكن كل ما أريد الحديث عنه هو عدم استبعاد احتمال انفجار الوضع الأمني والعسكري بين الاحتلال وحركات المقاومة، حيث تهب رائحة عدوان رابع قادم. وبهذا تظل التهدئة الراهنة مجرد حالة مؤقتة يحكمها مدى تقييم كل من الطرفين لتوقيت المعركة القادمة، التي قد يسعى إليها كل منهما أو أحدهما؛ تحقيقا لأهداف محددة، أو أجندات خارجية قد تقلب الوضع السياسي إلى أسوأ مما كان عليه.
لقد توعدت حكومة الاحتلال قطاع غزة بعدوان واسع، وهذا التهديد ورد على لسان قيادة جيش الاحتلال وفقا لصحيفة هآرتس، بالنص: بدأ الجيش العد التنازلي لشن عدوان جديد على قطاع غزة، بذريعة استئناف إطلاق الصواريخ من القطاع تجاه المستوطنات الإسرائيلية، ومنها ما وصل محيط جنوب دولة الاحتلال في منطقة أشكول الأسبوع الماضي".
ومن الجريمة أن تسمع حكومة الوفاق الوطني والقيادة في كل من رام الله وغزة بمثل هذه التهديدات، واستمرار الانقسام بينهما، وهو الذي يعتبر السبب الرئيس في تراجع المشروع الوطني الفلسطيني عشرات السنين إلى الوراء؛ فهو يضعف منظمة التحرير الفلسطينية في مواجهة دولة الاحتلال. وهذا يتطلب من السلطة الفلسطينية ملء الفراغ في ظل حركة سياسية دؤوبة. ويمكن تفعيل العمل على صعيد طلب فلسطين؛ العضو المراقب في الأمم المتحدة حاليا، للانضمام إلى المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة.
لقد جرى اتفاق بين السلطة والاحتلال على أن تقوم الأولى بتجميد هذا الطلب طيلة المدة التي تستغرقها حكومة الاحتلال للإفراج عن الأسرى الفلسطينيين المعتقلين في سجونها قبل اتفاقيات أوسلو. وما نقوله: ما دامت المفاوضات قد وصلت إلى طريق مسدود، تصبح الفرصة أمام السلطة مهيأة لتقديم هذه الطلبات للجهات المعنية، وهذا أضعف الإيمان.
يجب على القيادة أن تكون الأم الحاضن، لا أن تقف متفرجة على عذابات الشعب، حتى نحافظ على ما تبقى من القضية الفلسطينية المتناثرة على طاولات العالم المتعثر.وهذا كله لا ينفي دور الأحزاب السياسية، والمؤسسات المجتمعية، في أن تقف وقفة جادة لوضع إستراتيجيات جديدة، وتقييم الوضع العام، خاصة فيما يتعلق بأولئك الذين أصبحوا بلا مأوى، فى ظل وضع سياسي مزر لا نعرف إلى أين سيأخذ الجميع.
وأكثر ما يثير هو مسار المصالحة الفلسطينية، التي مازالت في أروقة الغموض، ولكنها تثير حفيظة الاحتلال، وتعتبرها عائقا أمام عملية السلام أو المفاوضات، مما يساعد على خلق رؤى سياسية تتناقض مع جهود المصالحة كافة.
إن حالة الفوضي الخلاقة قد غزت الوضع الفلسطيني بلا هوادة، وفي تقديري قبل كل شي، لا يجب النظر للقضية الوطنية بعيدا عن التطورات السياسية على المستويين الإقليمي والدولي؛ لما لهما من انعكاسات إيجابية أو سلبية.
على السلطة الوطنية أن تعمل على استعادة الوحدة الوطنية باعتبارها ضمانة لاستكمال مرحلة التحرر الوطني الفلسطيني وانتصارها؛ فوحدة القواسم المشتركة والتوافق على الثوابت الفلسطينية في حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، هي ما يجمعنا.