كيف يمكن لتصنيف الآخرين أن يكون صحيحا؟

2021-04-08 13:47:36

جوليانا زنايد صايج/ القدس

في جزئي الرواية الخيالية " قواعد جارتين" يتحدث الكاتب والطبيب المصري عمرو عبد الحميد عن مدينة جارتين التي انقسم سكانها للأشراف والنسالى، وتحكمهم قواعد شديدة الحزم والقسوة كقواعد هذا العالم تماما.

وتنص القاعدة الأولى على أن  للأشراف امتيازات عديدة، بينما يفتقر النسالى لأبسط الحقوق، وينظر لأخطائهم على أنها جرائم لا تغتفر، ولا يحق لهم الخضوع لمحاكمة عادلة بل الخطأ الأول هو الأخير، وينفذ حكم الإعدام تجاههم دون تروي ومهما بلغت سخافة الخطأ.

استنادا للقواعد تطبق أحاكم الإعدام علانية في يوم الغفران من كل شهر في باحة "جويدة"، ويحتفي الحضور بإعدام النسالى- الذين صنفوا ووصموا منذ الأزل أنهم ولدوا من نسل خاطئ ومجرم، وحينما يبلغون سن السادسة عشر ستثور أرواحهم الأثمة ويرتكبون جريمة لينتهي الأمر بهم نحو منصة "جويدة" وتفنى أجسادهم برصاصة يوجهها رامي المنصة بدقة نحو منتصف الجبهة، فيما تنتقل أرواحهم لأبناء الرذيلة النسليين، إذ لا يذكر تاريخ جارتين إي زيجات شرعية للنسالى، وتلد النسالى أطفالهن أمواتا في حال لم يحصدن لجنينهن روح نسلي تم اعدامه في يوم "الغفران"،  لينتهي الأمر بولادة أجيال جديدة من المجرمين بحسب القواعد المعلن عنها، لينال كل طفل في النهاية حصته من رصاصات رامي المنصة، فيما ينال الحضور حصته من الإثارة في كل يوم غفران.

وفي سياق الأحداث يقرر النسالى إيقاف هذه العجلة عن الدوران، ويحاولون كبح أرواحهم الثائرة والتوقف عن ارتكاب الجرائم، والتي هي في الأساس نابعة من التصنيف والاقصاء لهم، وبالطبع هذا سيوقف نهر الدم على منصة "جويدة" وسيخفض صوت هتافات الأشراف المدفوعة بالإثارة والحماسة، لذا قوبلت كل هذه الجهود بمزيد من الاقصاء والعنف والرفض من قبل حكام الاشراف.

وحينما واصل النسالى جهدهم للكسب بشرف، وسعوا لتحقيق أول زيجة شرعية في باحة "جويدة" والتي تمت رغما عن الأشراف، مثمرة عن أول طفل شريف من سلالة النسالى،  ليشكل هذا الطفل الأمل الوحيد لتغير مصير النسالى جميعا، وكبداية رد الأشراف بقتل والده ومن ثم إجبار والدة الطفل لتغادر وادي النسالى وتسكن بين الأشراف مع طفلها.

ما كان متوقع بحسب القواعد أن يُزال العار عن الام وأن تُعامل بشكل حسن، لكن على العكس تماما تم احتقارها أكثر وكذلك عانى طفلها، لترجع  إلى وادي النسالى وطنها الاصلي، وتقوم بذبح طفلها، حيث أنه بحسب القاعدة الاخيرة أن دم الطفل الشريف الأول من سلالة النسالى يعتبر شعلة ستوقد أرواح النسالى؛ لتحولهم إلى وحوش قادرة على محو جارتين وقواعدها للابد، وهكذا كان المشهد الدموي لنهاية القصة تماما بحسب الحبكة المعدة... نار مشتعلة فتيلها القاعدة الاخيرة.

ماذا لو لم يقحم الأشراف النسالى بهذا التصنيف والوصم الأزلي، وماذا لو منحوهم فرصة لتغيير واقعهم والتغلب على التحديات التي يواجهونها؟ أو لو لم يدرك النسالى هذا الظلم والظلام في كل من حولهم ولو لم يقضوا عمرهم كاملا في الدفاع عن ذاتهم ضد التصنيفات؟

ولكن خلال الرواية لاحظنا أن الأشراف حرصوا على خنق النسالى ضمن قواعدهم وأحكامهم، وقتلوا جميع أحلامهم للتغير، إلى أن ثاروا وتحولوا لوحوش، في هذه الحالة ربح الأشراف الرهان وكسبوا صحة التصنيف، بينما خسر النسالى الصورة الاخلاقية للتغير في حياتهم، وعلى النقيض فقد حصل التغيير وللأبد فيما بقي النسالى ضمن التصنيف المعد لهم.

فمن الرابح إذا في هذه المعركة؟ الحقيقة هي أن قلائل من الأشراف قد نجوا من ثورة النسالى، غير أن الثورة لم تحقق هدفها بمنح الشرف لأجيال قادمة من النسليين، بل اقحمتهم مدفوعين أكثر نحو التصنيف المعد لهم.

 خسر النسالى حربهم ضد الأشراف وإن انتصروا، وذلك لأنها كانت حربا غير عادلة مصممة بشكل يضمن هزيمة النسالى بكل الأحوال، فإما الموت أو الدخول هذه المرة برضاهم ضمن التصنيف.

بالعودة للواقع لا تعتبر أحداث هذه الرواية غريبة عنه، فكثير من البشر حريصين بشدة على التصنيف وترتيب مواقع الأشخاص من حولهم بشكل يضمن لهم السلطة، إذ يمعن هؤلاء الاشخاص في قهر من حولهم في رهان على التصنيف الذي سيظهر أي محاولة للخروج منه على أنها إثبات له.

وبالتالي بكل بساطة يمكن للتصنيف أن يكون صحيحا في حال أقحمنا الأشخاص فيه وأجبرناهم بالقوة (مهما اختلف شكلها) على البقاء فيه وضمنّا قواعد لعبة كفيلة بعودتهم إليه كل ما حاولوا الرحيل عنه، وعليه ما فعلته الأم حين غادرت عائدة لوادي النسالى مستخدمة القاعدة الاخيرة لأنهاء اللعبة لم يكن الأمر الأكثر صوابا، كان الرحيل وحسب هو الانتصار الوحيد القادر على إنهاء اللعبة خارج التصنيف، الرحيل بمعنى مغادرة الأطر المحيطة نحو الانكفاء على الذات، لأن التصنيف سيبقى لكن الحكمة تكمن في عزل ذاتنا عنه.

الخروج من التصنيف بالاحتراق

بالعودة إلى الواقع يخوض الكثير من البشر حول العالم رحلتهم لتطهير الذات عبورا بمراحل خمسة يقترحها علم الخيمياء، أبرزها هو أن يمر الأشخاص بمرحلة تسمى مجازا بالاحتراق وهي في أبسط تفسير لها تعتبر تطهير الذات  من الأعماق من خلال التعامل مع الألم القابع خلف الغضب والعمل على تحجيم مناطق عدم الاستقرار بداخلنا من خلال الاعتراف بها.

ومن منظور مسيحي، يقوم المسيحيون حول العالم بفعل الاعتراف بخطاياهم للكهنة بشكل متكرر خلال العام وذلك بغرض تطهير الذات، حيث تتجاوز المسيحية فكرة الاعتراف أمام الذات ومن ثم امام الله إلى الاعتراف امام البشر أمثالهم، ولو تعمقنا في فكرة الاعتراف داخليا وخارجيا لوجدنا أنه في كل مراحل التطهير الروحي يتم مرارا كسر "الأنا الأعلى" وهو الشيطان الأعظم القابع في الضمائر، ويعمد المسيحيون إلى المغالة في كسره من خلال الاعتراف أمام أمثالهم من البشر وفي هذا إشارة إلى عظمة ثقله على النفس البشرية.

يجبرنا "الأنا الأعلى"، على البحث عن المثالية في عيون الأشخاص من حولنا ويدخلنا سلفا كأسرى للتصنيفات المختلفة، سعيا لاحداث ابهار في محيطنا بشرط أن يدور كل هذا حولنا، وأن يتحول في النهاية إلى حقائق او صفات تتعلق بنا، دون أن ندرك خطورة هذا التسليم المطلق "للأنا الأعلى" في ذواتنا ولتراكم الخبرة التي أسست مكونات الأشخاص من حولنا
.

ولتفسير ما سبق، هناك اقتتال بين البشر منذ الأزل حول ماهية الواقع وما هو واقعي، وحاول العلم كذلك تهذيب هذا الجدال بتأطير النقاش في البحث في العقل الباطن وتأثير تراكم المعرفة على العقل البشري، والمعرفة هنا لا تنحصر في العلم بل في كل مدخل أو معلومة أو صورة يتم تقديمها للعقل البشري منذ ولادته وخلال جميع مراحل حياته، لتتحول في النهاية
إلى قطعة أصيلة في وعيه أو في اللاوعي في العقل الباطن، ليتم البناء عليها تراكميا أي دون تحيدها ودون عزلها عن أي معطيات جديدة بل يتم التعاطي مع كل جديد بناء على الخبرة المتراكمة، وهذا ما يخلق واقعا فرديا لكل شخص، وبالتالي يحدد ما هو واقعي وحقيقي أو العكس من منظوره.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي في فكرة تسليم ذواتنا لتصنيفات الأشخاص من حولنا؛ لكونه لا يوجد إثبات على صحة حكمهم أو عدم صحته، أي أننا نسلم وعينا لوعيٍ محيط لا نعرف إذ كان حقيقيا، وفي الأصل لا شيء يثبت أن وعينا حقيقي...

في النهاية، تكمن كل الحقائق داخلنا لكن هناك الكثير من المعطيات التي حجبت عنا لسنوات، ما شكل التصنيفات الخاصة بنا والتي نعكسها على من حولنا بذات الطريقة التي تنعكس تصنيفاتهم علينا بها، لكن نقطة التحول تكمن حين ندرك سطوة هذه التصنيفات علينا ونغوص في ذواتنا بحثنا عن الشخص الكامن فينا وبتكرار الإعتراف وتقبل الذات نخرج تدريجيا من سطوة الوعي الأخر، وصولا لطاقة متوازنة في أعماقنا، وهذه رحلة العمر حرفيا، أي أننا حين نبدء السفر فيها قد نموت ولا نصل، لكن على الأقل سنكون قد بلغنا من ذاتنا بضع ذرات من المعرفة، وقد نغادر العالم غرباء عنه لكن طريقنا إلى ذاتنا قد بات أقرب!

 

 

 

اخترنا لكم
عماد ابو الفتوح عندما عرفت أن الرواية القا...
سلمى أمين هل تمنّيت يومًا أن تتحدّث أكثر م...
 هند الجندي ينظر معظم الناس للأذكياء...
لينا العطّار/  اخترنا لكم من اراجيك...
بقلم: تركي المالكي الحياة مليئة بالجمال وا...
اخترنا لكم هدى قضاض- اراجيك  يعد ا...
منوعات
سها سكر/غزة "لا تحسَبِ المجدَ تمرًا أ...
نغم كراجة/غزة "أمي لم تفِ بوعدها، أخب...
إسراء صلاح/غزة هنا غزة المدينة المنكوب...
عرين سنقرط/القدس ربما قطار الفرح في مدينتي...
أحمد أبو محسن/غزة انتهى العدوان الإسرائيلي...
جنى حسان/رام الله حل الليل، ودقت ساعات خوف...