ناريد غبن/ غزة
تمر السنوات بسرعة الضوء، وتتوالى الأحداث والكوارث، وستسطر حروف التاريخ على صفحاتها ما يدور من أحداث. ولكن ماذا سيكتب التاريخ عن مدينة غزة ذات الأسوار المغلقة؟ هل سيكتب أنها كانت رقعة جميلة ينازعها المحتل بقاءها، فارتقى كل يوم على ثراها شهيد، وتوجت أسوارها دماء شهدائها، وأنها اغتصبت ثلاث مرات متتالية في حروب دامية أزهقت أرواح أطفالها ونسائها وشيوخها؟ هل سيذكر التاريخ أنها أصبحت مدينة تعيش بلا أمل؟ ويعيش سكانها في ظلام دامس لا ينيره سوى ضوء شمعة ما يقارب من عشرة أعوام؟ هل سيحكي عن الأطفال الذين أحرقتهم هذه الشمعة؟ وعمن مات اختناقا بالغاز الذي تتسرب من قنديل الإنارة؟ وعمن أحرق نفسه احتجاجا على سياسة التجويع في المدينة؟
في مدينتي ذات الأسوار المشمعة بالأحمر، التي لا ينفذ عبرها أحد إلا أصحاب النفوذ، الذين كل همهم هو التمسك بمقاليد الحكم والمناصب، التي توزع وفق المصالح، ولو على حساب حياة الآخرين؛ الذين يدفعون ثمنا باهظا لسكوتهم ورضاهم عيشا خلف هذه الأسوار دون مقاومة شجاعة حقيقية.
في مدينتي ذات الأسوار المقفلة انتشرت حالات الانتحار بسبب الظلم والقمع والكره، وسياسة تكميم الأفواه، واستغلال الدين لتنفيذ سياسة، وتحقيق مصلحة. في مدينتي انعدم الخير الذي كان يرفرف عليها سابقا، فاتجه شبانها هربا ليرموا بأرواحهم في غياهب اليم لعلهم يجدون في بلاد الغسق القليل مما يطمحون إليه.